حوارات

د.سهير حواس خبيرة التصميم العمراني تفتح النار علي صناع التخلف:تشويه التماثيل جريمة.. ويجب مراقبتها بالكاميرات


د.سهير حواس

د.سهير حواس

نـــدي البــدوي
12/21/2017 12:37:26 PM

انتقدت الدكتورة سهير حواس أستاذة العمارة بجامعة القاهرة وخبيرة التصميم العمراني، الطريقة العشوائية التي تُدار بها عملية اختيار وتنفيذ التماثيل الميدانية من قبل الأحياء في المحافظات، والتي تسهم في انحدار الذوق العام وانتشار التماثيل القبيحة والمشوهة، وطالبت في حوار مع "آخرساعة" بضرورة مراقبة التماثيل بالكاميرات لحمايتها من الخطر، وإسناد تصميمها وتنفيذها للمتخصصين، والرجوع في ذلك إلي جهاز التنسيق الحضاري.. وإلي نص الحوار:

• ما الأهمية التي تشكلها التماثيل الميدانية في التراث الحضاري المصري؟
- قيمة التمثال الميداني تكمن في كونه أحد أهم فروع الفن العام الذي يهدف إلي تحقيق رسالة حضارية لنشر الثقافة الفنية، وتوثيق الصلة بين الفن وعامة الناس، ورفع الوعي والحس الجمالي بينهم، فضلاً عن رسم صورة مُتميزة للأماكن تحقق متعة بصرية للمترددين عليها. وهو الأكثر تأثيرًا في الجماهير، كون الفن العام يُخاطب كل الناس باختلاف مستوياتهم الفكرية وليس الخاصة أو النخبة. غير أن القيمة الفنية للتماثيل توضح مدي تقدم الدولة فنيًا وحضاريًا. كما تبرز أهميتها في تشكيل ذاكرة الشعوب وسرد تاريخها. أما ارتباطه بالتراث الحضاري المصري فنبع من علاقة شديدة الخصوصية، تعود إلي الحضارة الفرعونية التي لعب التمثال فيها دورًا جوهريًا، إلي درجة أن أحجام التماثيل كانت تحمل دلالات تاريخية، فمن خلالها استطعنا أن نعرف متي كُرمت المرأة في الحضارة الفرعونية، ذلك عندما بدأ تمثال الملكة يتساوي في حجمه مع تمثال الملك، وهو ما نراه مثلاً في معبد رمسيس الثاني، وعلي امتداد السنين استمر الفن العام في الازدهار، حتي بدأ ينحدر مؤخرًا للأسف. رغم أن مصر تعد الدولة الأكبر علي مستوي الشرق الأوسط من حيث عدد التماثيل، وتنوع وثراء الأعمال التي تجسد حقبًا مختلفة من التاريخ، باختلاف تصنيفاتها والمدارس الفنية التي تتبعها.
• حدثينا عن هذه التصنيفات؟
- التماثيل تُقام لتمجيد شخصية معينة أسهمت في صنع التاريخ أو الفكر، أو تُعلي من شأن قيمة أو حدث، معبرة عن قيم السلام والحرية والعدل والنصر. والفن الميداني مثل كل الفنون مر بمراحل ومدارس عديدة، منها المدرسة الرومانسية والواقعية والكلاسيكية التي تتجلي روعتها في أعمال فنية فريدة، تنتشر في شوارع القاهرة الخديوية التي تحوي وحدها 12 تمثالاً. ونجدها في تماثيل القرن التاسع عشر التي تجسد الشخصية بنفس مواصفاتها، منها تمثال محمد علي الكبير والخديو إسماعيل وعباس حلمي الثاني، وتمثال إبراهيم باشا، الذي يعبر عن بطولاته الحربية ويعكس قوة شخصيته. فضلاً عن التماثيل التي أقيمت خلال القرن الماضي، والتي شكلت مرحلة جديدة من الكلاسيكية، منها تمثال طلعت حرب ومحمد فريد ومصطفي كامل، غير تمثال سعد زغلول الذي جمع بين الطراز الكلاسيكي والقاعدة المليئة بالموتيفات الفرعونية. نجد أيضًا مجموعة مختلفة من التماثيل التي تعد رموزا للصداقة والمبادئ المشتركة بين الدول والشعوب، مثل المجموعة الموجودة في حديقة الحرية بالجزيرة، ومنها تمثال سيمون بوليفار وتمثال المناضل القديم بالإكوادور جنرال »إيلوي الفارو»‬، وبطل أوروجوي القومي الجنرال خوسي أرتيجاس، وتمثال الجنرال التشيلي برناردو أوهيجنز. لكن للأسف تراجعت التماثيل وتخلّفت فنيًا بصورة غير مسبوقة.
• كيف ترين ظاهرة التماثيل المشوّهة؟
- التماثيل القبيحة والمُشوّهة التي انتشرت مؤخرًا مؤسفة وتدعو للخجل. القضية أخطر وأكثر عمقًا مما يتصور البعض، هناك جرائم تُرتكب بحق رموزنا الوطنية، غير أن هذا القُبح يدمّر ثقافتنا البصرية وينحدر بالذوق العام ويُجرّدنا من هويتنا. ونلمس حجم المأساة التي نعيشها عندما نتذكر، كيف تعاطت الجماهير مع الفن العام بدافع وطني في أوائل القرن، عندما ترجم الشعب المصري وطنيته في اكتتاب شعبي هائل، شارك فيه الآلاف لإقامة تمثال نهضة مصر، حتي تجمعت الجماهير في ميدان رمسيس عام 1928 احتفالاً برفع الستار عن تمثال محمود مختار، الذي عرضت نماذج له في إيطاليا وفرنسا. الانحراف الذي حدث خلال السنوات الأخيرة أوصلنا للنماذج الرديئة التي انتشرت، مثل التمثال المشوّه للملكة نفرتيتي الذي وُضع في مدخل محافظة المنيا، والكارثة أن هذا الميدان تم افتتاحه بحضور المحافظ. بينما يحظر أن تتحدث بصوت مرتفع وأنت أمام الملكة في متحف برلين إجلالا لقيمتها وعظمة الفن. للأسف ليس هناك أدني اتباع للقواعد أو الأسس الفنية الخاصة بالتماثيل الميدانية، وجماليات التصميم العمراني في مواقعها.
• ما المعايير التي تحكم إقامة التماثيل في الميادين؟
- هناك العديد من المواصفات والقواعد. أولها يتعلق بمدي ملاءمة التمثال للموقع أو الميدان. هذه العملية ليست عشوائية بل تعتمد علي علم ومقاييس محدّدة بدقة، كل ميدان له مقياس ويُعامل معاملة خاصة، يجب أن يتناسب حجم التمثال وارتفاعه مع حجم الفراغ وطبيعته، حتي لا أشعر أنه جسم غريب علي المكان، ولكن مكمل له ومنسجم معه. فضلاً عن ضرورة دراسة المحاور البصرية التي تحدد زاوية رؤية الجمهور للتمثال، بناء علي اتجاهات الحركة المرورية والأرصفة ومسارات المشاه، غير دراسة طبيعة خلفيته بناء علي الطابع العمراني للمنطقة، هل هي مساحات خضراء أو أبنية وغيرها، بما يسهل للمارة ملاحظته ورؤيته بوضوح من جميع الجهات.
• ماذا عن التصميم الفني؟
- يُفترض أن تُقام التماثيل ويتم اختيار التصميمات والأفكار والرؤي الخاصة، بها عن طريق مسابقات وليس بالتكليف المباشر كما يحدث. أما المعايير الفنية الخاصة بالتمثال نفسه، فيجب أن يُصنع من خامات تتحمل العوامل الجوية، سواء الخامات المعدنية مثل البرونز والسيمي برونز، وهي من الخامات مرتفعة الثمن إلا أنها مُعمّرة وتُعطي إحساسًا بالقيمة. هناك أيضًا أنواع من العجائن المختلفة والطينة الأسوانية، التي تُكسي بمواد معيّنة وتحرق في درجات حرارة هائلة، ورغم أنها أقل كلفة من الخامات المعدنية، إلا أنها ليست نموذجية للفراغ العام لدينا، كونها أقل تحملاً لعوامل المناخ وبالتالي تحتاج لصيانة أكثر. إنارة التمثال أيضًا لها فن خاص وطريقة معينة في التنفيذ، فإضاءة أي عمل فني تعتمد علي توجيه الضوء للجزء الذي أرغب في إبرازه وتأكيده. بحيث لا يري الجمهور مصدر الضوء لكن الجزء الذي يتم تعظيمه. لكن للأسف نجد أن الجزء المُضاء في أغلب التماثيل الموجودة، هو القاعدة وليس التمثال وهذه خطأ كبير.
• لماذا لا يتم الاستعانة بالمتخصصين لتنفيذها؟
- لدينا الكثير من المتخصصين في التصميم العمراني، والمثّالين الذين يمتلكون أدوات وحسا إبداعياً، مع خلفية علمية تُمكنهم من إنجاز أعمال فنية بالمواصفات المطلوبة. لكن المشكلة أن المسؤوليات يتم إعطاؤها لغير الجديرين بها. الكارثة الحقيقية تكمن في الأحياء بالمحافظات، فهي الجهات التنفيذية المسؤولة عن الإشراف علي كل ما يخص التصميم العمراني. حتي الآن لا نعرف المعيار الذي يتم علي أساسه اختيار رؤساء الأحياء، هناك تخبّط وعشوائية كبيرة، أوصلتنا إلي أن نجد بعض رؤساء الأحياء حاصلين علي دبلوم صنايع. يُفترض أن يتم استشارة خبراء جهاز التنسيق الحضاري، في عمليات تطوير الميادين أو التعامل مع التماثيل في الفراغ العام. لدينا بالفعل بروتوكولات تعاون مع العديد من المحافظات، لكن الواقع أن أعمال متعددة تنفذ بشكل منفرد من جانب الأحياء دون علمنا.
• ماذا عن أعمال الصيانة؟
- هناك إهمال فادح في أعمال الصيانة والنظافة للتماثيل، أو تلك التي يتم تنفيذها بصورة خاطئة. وتتجلي الخطورة هنا في تعامل غير المختصين مع التماثيل الأثرية، والتي يُفترض أن وزارة الآثار هي صاحبة الولاية عليها. ورأينا ذلك في واقعة طلاء وتشويه أسود قصر النيل المصنوعة من البرونز التي لا تقدر بثمن، لتتكلف عملية ترميم الكوبري بعد ذلك ثمانية ملايين جنيه. غير السلوكيات المجتمعية المتمثلة في تشويه التماثيل بالكتابة أو الحفر عليها. كما ترتكب جرائم أخري في التعامل مع التماثيل القائمة بالفعل، مثل الحدث المؤسف الذي شهدناه قبل أيام، بإزالة تمثال الشهيد البطل عبدالمنعم رياض، بطريقة عشوائية من أحد ميادين محافظة بورسعيد. هذا المشهد أبكاني حين رأيت التمثال يسقط ويتحطم. ما حدث جريمة، وكان يجب إقالة المحافظ.
• هل يكمن الخلل في التشريعات الحاكمة للمنظومة؟
- ليس تمامًا. هناك تشريعات عدة تكفل الحفاظ علي التراث، لكن الأزمة تكمن دومًا في تطبيق القانون. فنجد أن المادة 50 من الدستور تُلزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة لحماية التراث. كما صدر قرار لرئيس الوزراء بمنع إقامة أي تماثيل أو رفعها وتغيير مواقعها، بغير موافقة وزارة الثقافة وجهاز التنسيق الحضاري. ومن القوانين التي لدينا علي سبيل المثال القانون رقم 144 وقانون التنسيق الحضاري رقم 119 لسنة 2008، الذي ينص علي عدم القيام بأي تدخّل في الفراغ العام، للأماكن المُسجلة كمناطق ذات قيمة معمارية مُتميّزة بالمحافظات المختلفة. ومنها وسط البلد ومنطقة القاهرة الفاطمية، والكوربة بمصر الجديدة والزمالك وجاردن سيتي، وبورفؤاد ومناطق ببورسعيد وغيرها. وقبل تنفيذ أي أعمال فنية بهذه المناطق لابد من تقديم رسوماتها إلي جهاز التنسيق الحضاري، لتتم مراجعتها واعتمادها من قِبل اللجان المختصة. ولكن للأسف هناك العديد من الخروقات التي تحدث علي أرض الواقع.
• كيف يُمكن إصلاح ذلك؟
- الإصلاح الحقيقي يبدأ من تبني خطاب واعٍ يُعلي من شأن الفن العام والثقافة البصرية لدينا، ويؤكد علي ارتباطها بالهوية الوطنية، وذلك من خلال جميع المؤسسات التربوية والإعلامية. مع تطبيق القوانين بحزم وتشديد الرقابة للحفاظ علي مقدراتنا التراثية والتعامل معها كأولوية. طالبت المسؤولين مِرارًا ومازلت أطالب، بوضع كاميرات مراقبة وحراسة للتماثيل خاصة الأثري منها، كونها معرّضة للخطر علي الدوام.