حوارات

العالم المصري علاء الدين سيد كبير خبراء الاستشعار بشركة ريثيون لأبحاث الفضاء: مصر بحاجة إلي مصنع عملاق للرقائق الإلكترونية


أحمــد الجـمَّــال
6/12/2018 1:30:05 PM

كثير من المصريين لا يعرفونه علي الرغم من أنه أحد أهم العقول المصرية المهاجرة. إنه العالم الكبير علاء الدين سيد، كبير خبراء الاستشعار عن بعد بشركة "ريثيون" الأمريكية المتخصصة في أبحاث الفضاء وأنظمة الدفاع الصاروخي. في حوار أجرته معه "آخرساعة" كشف الرجل الذي تولي مهمة تأمين اتصالات الرئيس الراحل أنور السادات مع رؤساء العالم، أن النصر العسكري لم يعد ضرورياً لنهضة أي أمة، متمنياً أن تنتصر مصر في الحرب الاقتصادية، وأن تشهد البلاد بناء مصنع عملاق للرقائق الإلكترونية التي تعتبر أهم وأكثر فائدة من التقنيات النووية، كما أيد قرارات رفع الدعم وطالب الرئيس السيسي بـ"اختراق غاشم" للدولة العميقة.. تفاصيل أخري في نص الحوار:


• ما هي وظيفتك بالضبط داخل شركة "ريثيون" الأمريكية؟
- أعمل حالياً استشاري هندسة نظم في مشروع للأقمار الصناعية مع شركة SAS  لمؤسسة ريثيون، حيث إنني تقاعدت منذ عشر سنوات. آخر منصب لي قبل التقاعد كان كبير التكنولوجيين في الاستشعار عن بعد. ومهمتي هي مراقبة دقة الاختبارات التي تحدد حسن الأداء وجودة المنتج النهائي.
• كيف جاء التحاقك بالعمل كمصري في هذه الشركة العملاقة المتخصصة في صناعة الأقمار الاصطناعية والأنظمة الدفاعية والصواريخ الموجهة العابرة للقارات؟
- كنت أعمل مع شركة "لوكهيد" الأمريكية Lockheed (أكبر شركة للصناعات العسكرية في العالم من حيث الدخل) كمدير مهندسين للتصوير الحراري وهذا المجال متخصص للغاية ومحدود جداً والعاملون به معروفون لبعضهم البعض وتفاجأت باتصال هاتفي من شركة هيوز للطائرات Hughes Aircraft  تعرض عليَّ العمل في فرعهم في مقاطعة سانتا باربرا التابعة لولاية كاليفورنيا، وكان عرضاً سخياً والتكنولوجيا مختلفة ومتقدمة كثيراً وأحدث مما كنت أعمل به، كما أن هذا الفرع كانت له سمعة عالمية والمدينة صغيرة ورائعة الجمال والعمل بها سيختصر مشواري اليومي من مئة ميل يومياً لحوالي عشرة أميال فقط، ولذا قبلت العرض.. وبعد نحو عامين من انضمامي لـ"هيوز" اشترتها شركة "ريثيون" وصرت من العاملين بها منذ العام 1996.
• حدثنا عن مصطلح "الاستشعار عن بعد" وما تطبيقاته في المجالات المختلفة؟
- يعني القدرة علي رؤية تفاصيل عن بُعد دون الحاجة إلي تدمير أو المساس أو إزعاج طبيعة الهدف. مثلاً عندما تريد أن تعرف ماذا يضر المريض تستطيع أن تفتح بطنه لتعرف، أو تستخدم أشعة إكس أو التردد المغناطيسي كي تري داخله دون ضرر بالجسم. وكذلك نستخدم الموجات الصوتية مثلا في استكشاف البترول وخلافه.
ولعل أكبر سوق لهذا المجال هو في التطبيقات الطبية والصناعية والزراعية والأمنية والفلكية وغيرها من المجالات الحيوية التي يصعب أن تعيش يومك بدون التعرض لها.
في الصناعة تستخدم هذه التقنية للكشف الآلي والسريع لجودة المنتج وفرز درجات الجودة بسرعات عالية. وفي الزراعة تستطيع أن تحدد أماكن الإصابة وتتعامل معها ومع حجمها بدون ضرر لباقي المحصول، كما تستطيع أن تعرف أفضل ميعاد لجني المحصول وهكذا.
الأهم من ذلك أنك توظف التقنية الملائمة للمشكلة التي تريد فحصها. فمثلا لا تستطيع استخدام أشعة أكس للكشف عن البترول بل الموجات الصوتية، وأنا تخصصي محصور في توظيف الموجات الكهرومغناطيسية وقد اشتغلت في جميع الترددات، بدءاً من الترددات البطيئة جداً إلي أشعة إكس. كما أن لي أعمالا كثيرة في الأشعة الكونية والغبار الذري.
• ماذا عن أبحاثك الخاصة في هذه المجالات.. وهل لديك أو لدي "ريثيون" أبحاث بشأن غزو المريخ لإتاحة نوع من الحياة علي هذا الكوكب؟
- مهمتي ليست بحثية بالمعني الأكاديمي، فالأبحاث العلمية الخالصة لها المؤسسات البحثية الأكاديمية. مهمتي أغلبها في تحويل الأبحاث الأكاديمية إلي منتجات نستطيع أن نضيف بها قيمة للمجتمع أو نحل مشكلة. عملي لم يكن عنترياً بمعني أنني من يبحث ويكتشف ويخترع، فطبيعة التكنولوجيا ليست بمثل ذلك السخاء. عملي يكون مع فريق كبير من العلماء والمهندسين والفنيين وشركات وورش وعمال وإدارات وثقافات متعددة حتي نأتي بمنتج أو نحل مشكلة.
أما عن إنجازاتي فلا أستطيع أن أعددها، فمجموع المشاريع التي عملت بها ميزانياتها تصل لعشرات المليارات من الدولارات، كثير منها في حدود حفنة من الملايين وأخري عشرات الملايين وهكذا. أما أحب المشاريع لي فكان في إدارة أعمال بحثية أو مشاريع تضم تقنيات مختلفة بعضها خارج تخصصي. فيها تكتشف نفسك وقدرات لم تكن تعرفها. والمشروعات الطبية كانت بالنسبة لي مليئة بالكثير من التحدي والنجاحات.
بالنسبة لغزو الفضاء والمريخ لابد من ملاحظة أن ذلك مجهود فوق طاقة شركة واحدة. هو حالياً مجموع مجهود وأبحاث عموم شركات الفضاء وشركات التكنولوجيات المختلفة التي يتم جمعها وإدارتها حالياً تحت مؤسسة "ناسا" التي أسسها جون كينيدي في الستينيات، وعليه فشركة "ريثيون" شريك فاعل ومهم، ولا أستطيع أن أحدد تفاصيل أكثر، لأنني لا أدعي معرفة ليست عندي وإن عرفت فغالبا ما كنت أصرح بها لأسباب مهنية، لكنني أستطيع أن أحدس بأن لريثيون بالتأكيد دورا رئيسا في مجالات التصوير بالموجات المختلفة وفي مجالات التوجيه وربما تأمين الاتصالات وخلافه، وقد كنت عضواً في فريق بحثي حصل علي براءة اختراع لتقنية متقدمة في فحص صخور عن بعد، يمكن توظيفها في المريخ ولا أدري متي أو ما إذا أمكن توظيفها في هذا المجال.
• إلي أي مدي يمكن أن تستفيد مصر من تقنية الاستشعار عن بعد في اكتشاف مزيد من آبار البترول والغاز الطبيعي خاصة في منطقة شرق المتوسط، أو التوصل إلي اكتشافات أثرية جديدة؟
- شركات التنقيب التي تعمل في مصر عملاقة، ولا شك أنهم يوظفون أحدث التقنيات، أما عن الآثار فللأسف ليست عندي معرفة بشأن هذا المجال، إلا أنني ألاحظ - وقد أكون مخطئاً - أن أغلب المنقبين عنه من الأكاديميين وهذه الفئة تفتقد للتمويل الذي يمكنها من توظيف تقنيات حديثة.
• ظهور المشكلات البيئية دفع الحكومات لاستغلال تقنية التصوير الجوي لمعالجة هذه المشكلات.. حدثنا عن ذلك وكُلفته؟
- علاج مشكلات البيئة لا ينحصر في التصوير الجوي فقط. فالاشتراك ببرامج الأقمار الصناعية المتخصصة هو ربما الخطوة الأولي، وأصبح هذا الاشتراك في متناول الأفراد والحكومات المختلفة. والأرض كوكب صغير وما يحدث في منطقة منه يؤثر علي جميع الكوكب في بضع ساعات، وتتولي الحكومات المختلفة عملية المحافظة علي البيئة بالاستشعار عن بعد بالتصوير الجوي ثم المحلي بواسطة الطائرات الذاتية وتقنيات أخري مثل شبكات معقدة من المجسات التي تربط المصانع ومصادر المياه وخلافه بمراكز سيطرة ومراقبة، حتي تنفذ القوانين المنظمة لسلامة البيئة.
أما التكلفة فهي بالتأكيد أقل تكلفة الآن من الماضي، خاصة أن سرعة التحكم في مصادر التلوث تعتبر لحظية، وبالتالي فأضرار التلوث يمكن القضاء عليها بسرعة وفي حدودها الضيقة قبل أن تنتشر، هذا بخلاف أن التقنيات المتوافرة من حيث دقة الاكتشاف وتحديد المواقع تقلل كثيراً تكاليف الفحص والمعامل والانتقال. والمكافحة أصبحت الآن محدودة لمصدر التلوث وليست علي المشاع كما كانت في عقود مضت.
• يتجه العالم الآن لصناعة أسلحة ذات طابع مختلف عن تلك الأسلحة الثقيلة التقليدية.. حدثنا عن ذلك، وهل مصر بمقدورها الحصول علي مثل هكذا سلاح؟
- التقدم التكنولوجي فتح المجال أمام مختلف الدول كي تقيم تقريباً أي صناعة في بلادها. يكفي أن أقول لك إن الماوس الذي تستخدمه مع الكمبيوتر وجهاز سخان الميكرويف يمكن تحويلهما إلي أسلحة بقليل من المجهود.
ومصر عندها تاريخ في الصناعة العسكرية يعتد بها ولديها الخبرات القادرة علي توظيف التقنيات المختلفة لأغراض عسكرية، وأنا أثق في صاحب القرار العسكري المصري للغاية.
وفي رأيي ونظراً لأن الصناعات العسكرية ليست بالأساس استثمارية فلابد لقرار التصنيع العسكري أن يستهدف إحداث تفوق نوعي علي مستوي العالم وحتي علي أمريكا نفسها. وذلك حتي يصبح مصدر دخل يمكن استخدامه في مزيد من النمو العسكري. وهذا لن يتأتي من صناعة دبابة أو طائرة ولا حتي غواصة، لأنها كلها صناعات تحتاج لرأس مال كبير وقدرات غير متوافرة في دول الصف الثاني والثالث. وعليه يستحسن أن يكون التركيز في مكونات هامة ومحورية للأسلحة المختلفة مثل أجهزة التوجيه والاستشعار عن بعد وفي الآليات ذاتية الحركة والبرمجة. وعندي أمنية أن تدخل مصر تقنية الرقائق الإلكترونية وتبني مصنعاً عملاقاً في هذا المجال فهي عندها الرمل الخام الذي تصدره بتراب الفلوس ليدر مئات الآلاف عائداً علي ثمنه ونحن خارج الحلقة. وفي رأيي أن تلك التقنية أهم وأفعل من التقنيات النووية نفسها وتخدم جميع المجالات المدنية والعسكرية.
وفي رأيي الشخصي فإن الهدف من التصنيع العسكري والتسليح بالنسبة لدولة مثل مصر لابد أن يكون الغرض منه رفع القدرة الدفاعية لمستوي يقنع العدو المحتمل بأن الخيار العسكري مكلف للغاية ومائدة المفاوضات هي الأفضل.
• أيهما أهم برأيك: تحقيق نصر عسكري أم نهضة اقتصادية؟
- لم يعد النصر العسكري ضرورة لنهضة أي أمة. ثبت هذا جلياً في اليابان وألمانيا والصين وماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة وغيرها. المسألة في النهاية هي النهضة الاقتصادية ورفع قيمة البلاد لاقتصاد المجتمع الدولي، كما أنني علي يقين أن السلاح النووي لم يعد اختياراً عسكرياً بين القوي العظمي.. وبالتالي فسياسة تسليحك الاستراتيجية لابد أن تكون في تحقيق اقتصاد مساهم قوي يرفع من قيمة البلاد، وأعتقد أن التحدي الأكبر لمصر في أن تعد العدة لردع أي مشاكسات عبثية وعدم الانخراط في أي معركة جانبية حتي تنتصر في الحرب الاقتصادية.
• بحسب إحصائيات عديدة هناك 86 ألف عالم مصري بالخارج يشكلون العقول المصرية المهاجرة.. كيف يمكن الاستفادة من هؤلاء للنهوض بمصر؟
- للأسف الاستفادة الوحيدة ستكون محصورة في مهام استشارية وليست تنفيذية. أي خبرة أجنبية تعطيها مهمة تنفيذية تكون احتمالات نجاحها صعبة للغاية لأنك تضع تلك الخبرة في هيكل تنظيمي ومجموعة قواعد فاشلة بجانب الممارسات غير المهنية، بخلاف ثقافة الفهلوة وغيرها من المشاكل التي أصابت المجتمع المصري. وعليه فالموقع الاستشاري يضع الإدارة أمام خيار النجاح أو الاستمرار في الفشل.
يتندر الكثير من المصريين علي حكايات فشل خبراء من هنا ومن هناك في حل مشكلة، ويعتبرونها دليلاً علي أنه ليس بالإمكان أحسن مما كان وأن أهل مكة أدري بشعابها ودعونا في حالنا فنحن نفهم كل شيء.
والطريف أن تلك النوادر قريبة للحقيقة، لأن الخبير الأجنبي لن ينجح في منظومة فاشلة تختال بفشلها. المشكلة عندنا تنظيمية وأخلاقية وثقافية واجتماعية وهي تفوق قدرات خبير أو اثنين ولابد أن تنبع من إرادة تغيير شامل.
• كنت مسؤولاً عن تأمين اتصالات الرئيس الراحل أنور السادات مع رؤساء العالم خلال الفترة من 1973 إلي 1978.. ما الخطة التي وضعتها لضمان عدم تسريب المكالمات الرئاسية وخاصة مع البيت الأبيض؟
- بالنسبة لخط البيت الأبيض فقد كانت الخطة والأجهزة بالكامل أمريكية وأضيف أنها كانت أجهزة عتيقة، وقمت مع زميل لي بتصميم جهاز لها حتي يسهل علينا تشغيل تلك المنظومة العتيقة، وتم اعتماد وتنفيذ الجهاز في أمريكا بواسطة أمن الرئيس الأمريكي، وتم تركيبه وتعميمه في بلاد أخري بعد أن أعجبوا به. أما الخطة الأساسية في بقية الاتصالات فهي من تخطيط رؤسائي يوافق عليها سكرتير الرئيس للمعلومات. أما خطتي فكانت تتم مع التوافق مع زملائي ورئيس الإدارة في قصر عابدين وكانت تنحصر في المناورة بالترددات وأجهزة الشفرة لأن تكنولوجيا تلك الأيام كانت بدائية للغاية.
• ما أبرز الصعوبات التي واجهتك في عملك هذا؟
- أبرز الصعوبات كانت تجيئنا من السعودية وليبيا. الاتصال بالسعودية لم يكن منتظماً لأنه كان يتوقف علي أهواء العاملين السعوديين. ففي تلك الأيام لم يكن لدي السعوديين الهياكل الإدارية التي لديهم الآن، وكنت دورياً أتعرض لمساءلات من الإدارتين المصرية والسعودية بسبب انقطاع الاتصال، والحمد لله كان معي فريق من الفنيين الماهرين ولم نقع في أي مشكلة بفضل دقة تقاريرهم وبياناتهم.
أما ليبيا فكانت في الصعوبة تكمن في المظاهرات الدورية والتهديدات المختلفة للعاملين المصريين في ليبيا في مراكز الاتصال الخاصة بالمكتب.
• بالتأكيد جمعتك مواقف مع الرئيس السادات أو كبار معاونيه.. ما الموقف الذي لا تنساه حتي الآن؟
- لم يكن بيني وبين الرئيس اتصال مباشر، حيث كان الضابط الراحل فوزي عبدالحافظ (مدير مكتب الرئيس السادات منذ عام 1970 حتي 1981)، هو الخط الأخير لنا مع الرئيس. ولكن هناك واقعتان أتذكرهما له: الأولي هي زيارته لمزارع "نموذجية" في الفيوم وكنت مهندس الاتصالات المنوب في هذه المأمورية وطبعاً لم يبلع السادات الفلاح الذكي الطعم في هذه المزارع وهي قصة معروفة ولكنها مثال للدولة العميقة ولرئيس "مكار".
المرة الثانية ولا أريد أن أخوض فيها فهي في رحلة له للخليج وكيف عاقب مرافقيه عندما علم من نائبه أيامها الرئيس الأسبق حسني مبارك، بالبضائع التي حُملت في طائرة الرئاسة.
• السياسات التي تتبعها الحكومة المصرية لإنقاذ البلاد.. كيف تراها؟
- رؤوس السياسات واضحة والاتجاه لابتلاع سم الدعم خطوة ضرورية ولو أنها تأخرت 40 عاماً، لكن قواعد ولوائح تنفيذ السياسات غير واضحة وأخشي أن يقع تطبيق تلك السياسات تحت نفس القواعد واللوائح التي تعتنقها الدولة العميقة.
انخراط الرأسمالية الوطنية في الاقتصاد أمر ضروري وحتمي، لكن هذه المرة لابد أن تكون قواعد اللعبة واضحة وأن يكون التوجيه مركزياً. فالرأسمالية الوطنية مهمتها اقتصادية بالتأكيد، لكن لابد من توفير التنافس الشريف الشفاف وأن تكون تراخيص الأعمال بناء علي إحصائيات واحتياجات واضحة تشمل توافر القوي البشرية والموارد الطبيعية وفرص النجاح وأن تعطي مصر ميزة وتفوقاً عالمياً، وأن يأخذ العامل حقه كاملاً وفي موعده وقبل أن يجف عرقه.
لابد من رفع الحماية الجمركية علي الصناعات المحلية. فأي صناعة لا تستطيع أن تنافس منتجاً تم استيراده من عشرات الآلاف من الأميال ومن بلاد دخل الفرد فيها يفوق دخل الفرد المصري هي ضياع لثروات البلاد ولعنصر الزمن ويستحسن أن تستثمر جهودها في صناعات أخري.
أنا أيضاً ضد أن يكون تنفيذ الأعمال العامة الكبري في شركات تملكها أسرة معينة أو رجل أعمال بعينه. لابد أن تكون هذه الأعمال مطروحة لشركات مساهمة يدخل فيها الرأسمال المختلف بحيث لا يسيطر أحد المساهمين علي الإدارة ولكن تكون إدارة من مجموع المساهمين. وأن تخضع الشركات لضريبة تصاعدية موجهة بمعني أن يوجه الخصم الضريبي في اتجاه تنمية قدرات الشركة الإنتاجية أو لتخريج أعداد معينة من العمال المهرة أو لتمويل أبحاث في الطاقة البديلة أو في أبحاث علمية معينة تحددها احتياجات الدولة أو في الاستثمار في شركات أخري تقوم بالأعمال السابقة وبالتالي تكون حافزاً لاستمرار التنمية النزيهة.
كذلك يجب تحديد جزء من الموازنة لإعادة الحياة إلي المشاريع الصغيرة. لو ذهبت إلي منطقة شبرا الخيمة والزاوية الحمراء وكثير من المناطق الحرفية القديمة لوجدت كنوزاً من الإمكانيات المعطلة.. الأمر يتطلب قوانين ذكية وتمويلاً بسيطاً. إن أي ورشة تعيد فيها الحياة تفتح علي الأقل من أربع إلي خمس بيوت ويأكل من ورائها علي الأقل عشرين شخصاً هذا غير الانتعاش الذي ينال الاقتصاد العام.
لابد أيضاً من الاهتمام بالزراعة بالطرق الحديثة التي تستهلك أقل من 10٪ من الاستهلاك الحالي للمياه مع مضاعفة القدرة الإنتاجية للأرض وتمكين خريجي الزراعة من تملك الأراضي وأن يصبحوا أصحاب أرض وليس موظفين. أتعجب حقيقة كيف يتخرج خريج الزراعة موظفاً وليس صاحب أرض؟ كلية الزراعة في رأيي لا تقل أهمية عن الكلية الحربية فهي حقيقة الظهير القوي للأمن القومي.
ولابد أن يكون دور المدارس والجامعات توفير القوي اللازمة لاحتياجات التنمية والاقتصاد ولا تخضع لرغبة المتقدم لها في الدراسة. ويجب توجيه الجماهير الغفيرة التي تقف في طوابير العاطلين إلي التعليم الفني والمهني الذي انعدم في البلاد.
• وكيف تري أداء الرئيس عبدالفتاح السيسي؟
- الرئيس السيسي واضح أنه يحيط نفسه بطبقة من الاستشاريين المتميزين، لكن يعوزه اختراق عميق شرس و"غاشم" للدولة العميقة. لعل أول خطوة يقوم بها في هذا النحو - وأنا حقيقة معجب بها- هي مؤتمرات الشباب وطريقة إدارتها وإخراجها.. فيها الكثير من الذكاء ومقومات النجاح في إعادة توجيه الشعب في الاتجاه الوطني الصحيح والاطلاع علي ما في عقول الشعب وما في بطون الدولة. ولكن لابد من العبور والاختراق العميق وبالقوة الغاشمة وبشراسة قاطعة داخل الدولة العميقة وبكل ما يملكه رئيس الجمهورية من وسائل.
• بعد نحو 7 سنوات علي أحداث يناير 2011 كيف تري الوضع في مصر؟ وإلي أي مدي تتفاءل بشأن مستقبل البلاد؟
- الوضع الحالي أحسن مئات المرات ومازال أمامنا آلاف الخطوات اللازمة للخروج من أزمة أمة عاشت 40 عاماً في مخدرات اقتصادية وعقائدية. أما أسباب التفاؤل فهي كثيرة للغاية. لعل أهمها وجود جيش قوي ملتزم بوحدة وصون البلاد وهذا هو العمود الفقري لمصر. ثم يجيء دور الشباب. فكل التوقعات المنشورة عن أحسن اقتصاديات في المستقبل تضع مصر ضمن الثلاثين دولة عظمي، ويعزون ذلك إلي عدد السكان المتزايد وطبعاً الشباب وإسهامهم في التنمية. نعم هناك تعليم مجاني عشوائي، لكنني رأيت وتعاملت مع شباب ناجحين وحريصين علي التفوق بل أدعي أنهم علي مستويات تتفوق كثيراً علي شباب كثير أعمل معهم في أمريكا.
• ما أكثر ما يصيبك بالإحباط؟
- من حسن حظي وعمري الآن تجاوز 67 عاماً أن الإحباط لا ينال مني. حياتي ومهنتي وهوايتي هي حل الأزمات وكل أزمة بالنسبة لي هي فرصة نجاح وليست تبريرا لحالة إحباط أو لشعور الضحية. عندما أري مشكلة تتزاحم في مخيلتي كميات كبيرة من الحلول ويصير همي هو التحليل والتدبير ثم اختيار الحل الأمثل. وأتذكر أنني كثيراً عندما ينال مني الضجر من روتين العمل أطلب من رؤسائي أن يحيلوا لي إدارة مشروع في أزمة حقيقية والحمد لله لم أخب ظن أي منهم.. الفكرة بسيطة، عندما يشتد الخطب وتقع في القاع فلا يوجد طريق أمامك إلا الصعود للأعلي.