حوارات

عهد التميمي تروي لـ اخر ساعه تفــاصيل 222 يـومـا في سجـون إسـرائيل

سُجنت في غرفة ضيقة جداً ومُنعت من استذكار دروسها


حـوار: أحمـد الجمَّـال
8/7/2018 3:30:11 PM

منذ اعتقالها يوم 19 ديسمبر 2017 علي خلفية صفعها جندياً إسرائيلياً بعد تصويبه لفتي أمام منزلها في قرية النبي صالح بمدينة رام الله، عاشت المناضلة الصغيرة عهد التميمي (17 عاماً) لحظات عصيبة، وتنقلت علي مدار 222 يوماً بين عدة مراكز تحقيق أسوأها "مركز الرملة" المخصص لاحتجاز الأسري، إلي أن صدر حُكم بسجنها ثمانية أشهر في 21 مارس الماضي لتستكمل مدة حبسها في الغرفة رقم (3) بقسم السجناء الأمنيين داخل سجن هشارون.
"آخرساعة" أجرت هذا الحوار مع أيقونة النضال والحرية عقب مغادرتها السجن الأسبوع الماضي وتحديداً يوم 29 يوليو، حيث كشفت للمجلة تفاصيل معاناتها وإيقاع يومها خلف أسوار المحتل وكيف تابعت دروسها في الثانوية العامة، وماذا طلبت من الرئيس محمود عباس وكيف كان رده.. التفاصيل في السطور التالية:

أقمت مع
10 أسيرات داخل زنزانة مساحتها 10 أمتار فقط!
 امتنعت عن الطعام لإجبار إدارة السجن علي إعادة فتح الفصل الدراسي
 قرأت رواية »‬السجينة».. وأعشق أشعار محمود درويش وأحمد فؤاد نجم
 إسرائيل تخاف مني..
 ولا أخشي العودة إلي السجن
 سألتحق بكلية الحقوق لأدافع عن قضية فلسطين دولياً
لن أرفض دعوة الرئيس السيسي لحضور مؤتمر الشباب

• كيف كانت تفاصيل حياتك طوال المدة التي قضيتها في سجن هشارون الإسرائيلي؟
- قضيت في السجن 222 يوماً، بدءاً من اعتقالي يوم 19 ديسمبر 2017 مروراً بصدور الحكم بالسجن يوم 21 مارس إلي أن خرجت من السجن في 29 يوليو. لقد كانت فترة صعبة للغاية. تعرضتُ فيها أنا وباقي الأسيرات الفلسطينيات لضغط نفسي كبير، خاصة أننا كنا أسري أمنيين وبالتالي ممنوعين من التواصل، حيث تكون هناك ممثلة عن القسم مهمتها التواصل بين السجناء ونقل طلباتهم إلي إدارة السجن.
• صفي لي زنزانتك؟
- غرف السجن صغيرة جداً. نحو مترين ونصف x 4 أمتار، ورغم هذه المساحة الضيقة فإنها كانت تضم أربعة أسرة وحمَّاماً، وحتي الساحة المخصصة للتريض ليست كبيرة. أذكر حين كنت أخرج للتريض مع زميلاتي الأسيرات يكون الوضع أشبه بطابور المدرسة، لكننا رغم كل هذه المعاناة كنا نرفه عن أنفسنا ونصنع عالمنا الخاص، ففي بعض الأحيان كنا نغني معاً.
• كم أسيرة كانت معك في الغرفة؟
- آخر مرحلة قبل خروجي من السجن كان معي ثلاث أخريات، بينما قبل نحو شهرين وصل العدد إلي 10 أسيرات، داخل نفس الغرفة الضيقة! الوضع كان صعبا جداً، لم تكن الأسرة تكفينا، وكان البعض يضطر للنوم علي الأرض لأن الغرفة لا تسعنا، وإذا أرادت واحدة منا أن تصلي فإن الأمر كان يتطلب أن تنهض أخري من نومها علي الأرض ليتسع المكان للصلاة.
• هل يضم هشارون سجناء في قضايا من نوع آخر؟
- هذا السجن مخصص للسجناء الجنائيين، وفي السابق كان يضم سجناء من الأطفال والشباب.. الآن تم نقلهم إلي سجن "عوفر"، أما القسم الثاني فهو مخصص للسجينات الأمنيات وهو الذي كنت أتواجد فيه.
• والدتك السيدة ناريمان كانت أسيرة نفس السجن خلال فترة تواجدك في "هشارون" متي كنتما تلتقيان؟
- والدتي كانت مسجونة في نفس القسم (قسم السجناء الأمنيين). كنت في الغرفة رقم (3) وكانت والدتي في الغرفة رقم (9). كنا نلتقي في ساعات التريض. كانت تشجعني وتشد علي أزري. كم أنا فخورة بها وبأنني ابنة لمناضلة مثلها.
• كيف كان يسير إيقاع اليوم؟
- إيقاع اليوم كان رتيباً. هناك جدول زمني ثابت. نخرج من الغرف في الساعة العاشرة والنصف صباحاً للتريض حتي الساعة الواحدة ظهراً، ثم نعود إلي الغرف، ثم نخرج مجدداً الساعة 2:30 ظهراً حتي الخامسة مساءً، قبل إعادتنا إلي الغرف ونبقي فيها حتي العاشرة من صباح اليوم التالي، ما يعني أننا نبقي داخل هذه الغرف الضيقة جداً لمدة 17 ساعة يومياً.
• ماذا عن مستوي وجبات السجن؟
- يقدم السجن ثلاث وجبات (إفطار وغداء وعشاء) في البداية كان الأكل سيئاً للغاية، وبعدها طلبنا من إدارة السجن أن يزودونا بالطعام نيئاً ونقوم نحن بطهيه بأنفسنا، باستثناء اللحوم.
• وكيف كنتن تطهين طعامكن؟
- هناك مطبخ موجود في ساحة التريض، وكنا نستغل الوقت المخصص للتريض في طهي الطعام. أيضاً داخل الغرفة يوجد سخان كهربائي صغير يمكن أن نستخدمه لصنع الشاي أو القهوة.
• بما أنك في مرحلة البكالوريا (الثانوية العامة) هل كانت إدارة السجن تسمح لك باستذكار دروسك؟
- كان عدد الأسيرات الفلسطينيات المسجونات معي نحو 50 أسيرة، وأعمارنا متقاربة، وقد مُنعنا من استذكار الدروس، حيث يضم السجن فصلاً دراسياً مخصصاً لـ"المذاكرة"، وقررت إدارة السجن غلقه، وكانت تلك مشكلة لي ولزميلاتي، فقد كان عليّ مراجعة دروسي جيداً لأنني في مرحلة البكالوريا، وبناء عليه قررنا الامتناع عن تناول الطعام، حيث كنا نعد الوجبات دون أن نتناولها، ونجح هذا الضغط في إجبار إدارة السجن علي إعادة فتح الفصل الدراسي مجدداً، وقد أديت الامتحان داخل السجن، وسوف تظهر النتيجة في شهر أكتوبر المقبل.
• مَنْ كان يتولي التدريس لكُنّ داخل السجن؟
- هذه المهمة كانت تتولاها النائبة خالدة جرار، حيث كانت ممثلة للأسيرات خلال الفترة الأخيرة. كانت تعطينا دروس التوجيهي، كما أعطتنا دورة في القانون الدولي الإنساني، وحصة عن التحدي.
• هل تتمنين الالتحاق بكلية معينة؟
- في البكالوريا تخصصت في القسم الأدبي، لأن طموحي الالتحاق بكلية الحقوق، لكي أصبح محامية وأدافع عن الأسري الفلسطينيين في سجون الاحتلال، وعن القضية الفلسطينية عموماً. كما أن رغبتي في دراسة القانون ليست من فراغ، فمع استشهاد خالي قبل سنوات وتبرئة الجندي الذي قتله قرَّرت أن أدرس الحقوق، للدفاع عن القضية الفلسطينية في المحافل الدولية.
• بعيداً عن استذكار الدروس.. هل كان متاحاً قراءة كتب أخري؟
- توجد داخل السجن مكتبة تضم كتباً متنوعة. كانت كل أسيرة منا تقرأ كتاباً ثم تلخصه لباقي الأسيرات. أنا شخصياً قرأت عدة كتب من بينها رواية "السجينة" وهي رواية عالمية للكاتبة المغربية مليكة أوفقير وكتبتها معها ميشيل فيتوسي، وهي رواية واقعية (سيرة ذاتية لمليكة أوفقير)، تبرر معني أن يناضل المرء من أجل حريته ومعني أن يكون المرء إنساناً. كذلك قرأت راوية "الأم" لمكسيم جوركي.
• بخلاف المتاح في مكتبة السجن هل كان مسموحا دخول كتب حسب رغبتكم؟
- نعم، مسموح لأهل الأسيرة أن يدخلوا لها كتابين كل شهر، ويتم استبدالهما بكتابين آخرين في الشهر التالي. لكن الأمر ليس بهذه السهولة، إذ تحصل إدارة السجن علي هذه الكتب أولاً لمراجعتها، وقد ترفض دخولها إلي الأسري، فعلي سبيل المثال طلبت خالد جرار من ابنها كتباً عن المحكمة الدولية، لكن إدارة السجن رفضت إدخال الكتب.
• هل تحبين الشعر؟
- أنا من عشاق محمود درويش، وكذلك أحب جداً شعر أحمد فؤاد نجم.
• بعض الشعراء الإسرائيليين كتبوا شعراً فيكِ.. ماذا كان تعليقك؟
- لم أكن علي تواصل بالعالم الخارجي، طوال فترة سجني، وبالتالي لم أتابع هذه الأمور.. لكن بالتأكيد هناك من وصلت إليه رسالتي، وهي أنني ومثلي كل الشعب الفلسطيني نناضل بلا سلاح ولسنا إرهابيين، وبالتأكيد مثلما وصلت هذه الرسالة إلي العالم تأثر بها بعض الإسرائيليين، فهناك إسرائيليون تعاطفوا معي وهم من المؤمنين بأن إسرائيل ليست دولتهم بل هي أرض فلسطين، والدليل علي ذلك أن مجموعة منهم تجمعوا أمام أسوار السجن في عيد ميلادي (31 يناير) وعلت أصواتهم بأغنية Happy Birth Day والفكرة هنا هي كيف ننجح في تغيير أفكار الآخر، فحين ناضلتُ بشكل سلمي اصطف العالم ورائي وتمكنت من نقل صورة صحيحة عن نضال شعبي وكشفت الوجه القبيح للمحتل الصهيوني.
وبالمناسبة هناك إسرائيليون يدخلون السجن لأنهم ضد فكرة الدولة العبرية، لكن لا يتم الاختلاط معنا في السجون.
• الرئيس أبومازن استقبلك في مقر السلطة الفلسطينية في "رام الله" عقب خروجك من السجن.. بعيداً عن كاميرات الإعلام التي نقلت اللقاء، ماذا قال لك في الكواليس؟
- الرئيس أبومازن قال لي: "طالما أن هناك جيلاً لا ينسي ويكمل الطريق، فهذا دليل علي أننا سننتصر في قضيتنا"، بينما كنت أريد أن يطول حديثي معه لأسأله في بعض الأمور التي تشغل بالي. قلت له: "يا جدو بدي أفهم.. بدي أسألك في بعض الأمور السياسية"، فقال لي: "ارتاحي الآن، وبالتأكيد سأحكي معك فيما تشائين".
• هل يعني ذلك أن ثمة لقاء آخر سيجمعك بالرئيس أبومازن؟
- أظن أنه ستكون هناك لقاءات أخري قريباً.
• وعلي المستوي الشعبي كيف جري استقبالك؟
- منذ لحظة خروجي من السجن ووصولي إلي بيتي في قرية "النبي صالح" لا تتوقف زيارات الناس إلي بيتنا الذي أضحي مفتوحاً لاستقبال مئات الفلسطينيين، حيث تصل إلينا يومياً أتوبيسات من المحافظات المختلفة، وقد أيدوني ودعموني.. قالوا لي أنت نموذج لمواصلة المشوار والتحدي، وأن الإعلام العبري ظن أنه بحبسي سوف يبعدني عن المشهد، لكن النتيجة كانت عكس ما يظن الاحتلال.. وبدا واضحاً أن إسرائيل تخاف مني، بعد أن عملت علي تعريتهم وكشف حقيقتهم.
• الآن وقد غادرتِ السجن.. كيف سيكون أسلوب نضالك؟
- الاحتلال قيد حريتي، وهناك أحكام ضدي مع وقف التنفيذ، فإذا قمت بالتحريض ضد الاحتلال ستكون هناك عقوبة، وإذا وجه لي اتهام سياسي سيكون مصيري السجن مرة أخري لمدة تسعة أشهر، وبالتالي فإن نضالي سيكون من خلال تعليمي، ففي المرحلة الحالية لابد أن أكمل دراستي وأصل إلي "القانون" حتي يكون بمقدوري الدفاع عن وطني وقضيتي وقضية كل فلسطيني.
• هل يعني ذلك أننا لن نراكِ تشاركين بالنزول في أي فعالية مثلما عهدناك خلال السنوات الماضية؟
- إذا حصل شيء يستدعي نزولي ومشاركتي سأنزل وأشارك، هذا أمر مؤكد، فأنا لا تهمني العودة إلي السجن مرة أخري. بالتأكيد لا أريد العودة إلي السجن، لكن طالما الاحتلال موجود فسأظل أناضل وقد قلت هذا الكلام نصاً للأخصائية الاجتماعية الإسرائيلية التي أحضروها لي في السجن. وقد أردت أن أؤكد علي ذلك الأمر لتوصيل رسالة واضحة إلي الاحتلال، خاصة أنني أعلم علم اليقين أن هذا الإجراء تتم صياغة نتائجه في تقارير تُرسل مباشرة إلي المخابرات الإسرائيلية.
• في حوار سابق مع "آخرساعة" قال والدك باسم التميمي إنه يتمني أن تتلقي دعوة من الرئيس السيسي لزيارة مصر.. هل تعتقدين أن ذلك يمكن أن يحدث في أحد مؤتمرات الشباب مثلاً؟
- لن أرفض أن أكون مع الشباب في أي محفل.. ألتقيهم وأتحدث معهم وأستفيد من أفكارهم، ورغم أن السلطات الإسرائيلية تقيد حركتي الآن، إلا أن كل شيء وارد فقد يأتي يوم أخرج فيه إلي العالم وأواصل نضالي وأنقل صورة حقيقية عن فلسطين وشعبها الأبي.