حوارات

التمثال المشوه صنعه «مـُبيـِّض محارة» بـ400 جنيه!


د. جمال صدقي

د. جمال صدقي

أحمـد الجـمَّال
10/23/2018 12:32:37 PM

قبل نحو ثلاث سنوات اندلعت موجة غضب في الأوساط الفنية والثقافية بعد انتشار صور لتمثال مشوه للملكة الفرعونية نفرتيتي عند مدخل مدينة سمالوط في محافظة المنيا، لكن بعد إزالته ووضع آخر بمقاييس فنية صحيحة، لم يلتفت إليه أحد، وحتي حين نُشرت صور التمثال الجديد نُسب خطأ لطلاب كلية الفنون الجميلة في المنيا، رغم أنه من إبداع أستاذ النحت بكلية الفنون الجميلة جامعة المنيا ومدير المركز الإنتاجي بالكلية الدكتور جمال صدقي، الذي التقته "آخرساعة" في هذا الحوار لنتعرف علي القصة كاملة.

• ماذا كان رد فعلك حين رأيت تمثال نفرتيتي المشوه في مدخل مدينة سمالوط؟
- أنا أعيش في مدينة سمالوط وأمر بسيارتي علي هذا المكان يومياً. ذات يوم في أواخر العام 2015 لاحظت أعمال رصف وتشجير في المنطقة، وأسعدني ذلك جداً، لكن مع انتهاء أعمال التجميل فوجئت بوضع تمثال مشوه للملكة نفرتيتي. نزلت من السيارة واعترضت علي وجود هذا التمثال لأنه يسيء للمكان ولي شخصياً باعتباري نحَّات وأسكن علي مقربة منه. أحد المسؤولين عن هذا العمل قال لي: »إحنا عملناه علي حسابنا بـ400 جنيه»‬، وحين تواصلت مع رئيس حي جنوب سمالوط وقتذاك لإزالة التمثال رفض، فعرضتُ أن أنفذ تمثالاً جديداً بمقاييس فنية صحيحة بشرط أن يتم توفير الخامات لي، لكننا لم نتفق.
• كيف سارت الأمور بعد ذلك؟
- بعد ظهور التمثال علي مواقع السوشيال ميديا أثار حالة من السخرية والضجر، وحتي في الكلية عبر أساتذتي عن استيائهم ووجهوا لي اللوم، فحكيت لهم ما حدث، ووصل الكلام إلي محافظ المنيا وقتذاك صلاح زيادة، وأمر بإزالة التمثال فوراً، وشكل لجنة للتحقيق في الواقعة، كما تم تشكيل لجنة أخري لعمل تمثال يرد الاعتبار لنفرتيتي، وتقدم عدد من الفنانين بمقترحات وكنت واحداً منهم، ووقع الاختيار عليّ، لأصمم التمثال مع »‬اللاند سكيب».
• ما الأبعاد المثالية للتمثال.. كيف يتم تحديدها فنياً؟
- التمثال موجود عند مدخل مدينة سمالوط علي طريق مصر أسوان الزراعي، وحتي يُري علي بُعد 40 متراً، فإن ارتفاع التمثال عن مستوي سطح الأرض يُضرب في 13، وفي هذه الحالة الارتفاع كان 8 أمتار وبالتالي يكون حجم التمثال هو إجمالي ناتج ضرب (13 x  8) خاصة أن موقعه علي طريق موازٍ لشريط سكة حديد وبالتالي فمن يركب القطار يراه بسهولة.
• ما الوقت الذي استغرقته لإنجاز التمثال الجديد؟
- نحو شهرين فقط من إزالة التمثال المشوه، حيث افتتح المحافظ ميدان نفرتيتي رسمياً في شكله الجديد يوم 7 يناير 2016 بالتزامن مع عيد الإخوة الأقباط، وللعلم نفذت التمثال داخل المركز الإنتاجي في كلية الفنون الجميلة، المنوط بالخدمة المجتمعية، حيث تم عمل مقايسة وتحويلها إلي الكلية وأُسند العمل لي مباشرة من خلال المركز، وتم تنفيذه بتكلفة قدرها 135 ألف جنيه.
• قبل إسناد هذا العمل إليك في نهاية 2015.. ما الأعمال التي سبق وأُسندت لكلية الفنون الجميلة؟
- لم يتم إسناد أي عمل قبل هذا إلي كلية الفنون الجميلة منذ إنشائها عام 1983!
• مؤخراً انتشرت صور التمثال الجديد لكن نشطاء السوشيال ميديا نسبوه إلي طلاب الفنون الجميلة.. ما تعليقك؟
- هذا سببه الفوضي الإعلامية علي مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يتم نشر أي شيء دون استيثاق، خاصة في ظل تنامي ظاهرة التماثيل المشوهة في محافظات مصر المختلفة، ورغبة من البعض في الإشادة بالعمل نشرت صور للتمثال الجديد وذكر أن صانعيه طلاب في كلية الفنون الجميلة، ورغم دهشتي من هذه التصرفات إلا أن الأمر لم يشغلني كثيراً، نظراً لأن العمل يوثق نفسه من خلال »‬لوح التأسيس» الموضوع علي التمثال الذي يشير بوضوح إلي اسمي المدون عليه.
• ألهذا السبب لم تروج للتمثال الجديد عبر مواقع التواصل عقب انتهائك منه؟
- أنا بطبعي لا أحب التحدث عن عملي. أنا فنان أهب حياتي للفن وأترك للجمهور التعليق. وللعلم ليس لدي حساب شخصي علي موقع »‬فيسبوك». لا أهتم بهذه الأمور، فأنا موقن بأن العمل الجيد يفرض نفسه، ولم أسع للتواصل مع أحد علي السوشيال ميديا لأفرض نفسي، بل إنني حين أنتهي من نحت أي تمثال أسعد لوضعه في مكانه الصحيح، ليضيف جمالاً إلي المكان، وأومن بأن جهدي لا يضيع مهما طال الزمن.
• رغم أن البعض يري انحدار الذوق العام إلا أن التمثال المشوه أثار سخطاً واسعاً.. ما تفسيرك؟
- العين ترفض ما هو شاذ. الشخص العادي غير المتخصص يكتشف القبح، فالعين ترصد القبح مثلما ترصد الجمال بسهولة.
• لكن التماثيل المشوهة انتشرت في العديد من ميادين مصر وخاصة في الأقاليم.. ما السبب في رأيك؟
- نعم التماثيل المشوهة كثيرة، والسبب وراء ذلك هم السادة المسئولون المنوط بهم تنفيذ الأعمال في الأحياء، فهناك خطط لتجميل الميادين وفق ميزانيات محددة، وبالتالي يكون الاهتمام في المقام الأول بأعمال الإنشاء والتشييد ورصف الطرق والكهرباء وما إلي ذلك من أعمال خدمية، والنسبة الأقل من الميزانية تُخصص لعمل تمثال في الميدان.
• من يصنع هذه التماثيل القبيحة؟!
- اللمسة الجمالية لا يكثرث بها أحد، وبالتالي تُسند الأعمال لمقاول، ويكون التمثال من بين الأعمال المسندة إليه، ولأنه يسعي لتحقيق مكسب مادي، فإنه يستعين بعامل »‬مبيض محارة»، مثلما حدث في ميدان نفرتيتي، فالفنان ربما يتقاضي 10 آلاف جنيه لصنع تمثال جميل بمقاييس فنية منضبطة، ويتقاضي أجراً يتيح له سداد الضرائب وشراء الخامات الجيدة لتصميم وتنفيذ عمله الفني، بينما المقاول لديه سجل تجاري ويعتمد علي »‬مبيض محارة» لن يكلفه سوي 200 أو 500 جنيه لصنع تمثال مشوه!
• إذا تحدثنا عن الجمال كيف تري الصورة في شوارع وميادين مصر؟
- أراها قاتمة تماماً، خاصة في الأقاليم.
• ماذا تقترح لإعادة الروح الجمالية إلي شوارعنا مجدداً؟
- في كل محافظة يقوم المحافظ بعمل لجنة تسمي »‬اللجنة العليا للتجميل»، بكل أسف تضم فناناً واحداً فقط، وباقي الأعضاء للأسف يكونون موظفين إداريين، مثل رؤساء مجالس المدن والقري، ومن هنا يجب أن تضم هذه اللجنة أساتذة متخصصين من كلية الهندسة للأعمال الإنشائية وأساتذة فنون جميلة تختلف تخصصاتهم (معمار أو نحت) حسب الأعمال الفنية المطلوب تنفيذها في الميادين.
• ما أبرز أعمالك الفنية في محافظة المنيا؟
- صممت عملين في مدينة مطاي علي غرار تمثال نفرتيتي. ارتفاع أحدهما 13 متراً ووضع في ميدان أطلق عليه اسم »‬ميدان الشهداء»، والثاني ارتفاعه 9 أمتار في »‬ميدان السلام».
• ما فكرة فكرة كل عمل؟
- في ميدان الشهداء الفكرة عبارة عن أم شهيد والشهيد مستلقٍ علي الأرض، ويربطهما رباط بلا بداية أو نهاية واتجاه روح الشهيد تصعد إلي السماء مع بقائه علي الأرض، تأكيداً للآية الكريمة التي يقول فيها الحق تعالي: »‬ولا تحسبن الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يُرزقون»، والتمثال فيه عدة شهداء. أما العمل الثاني فهو تشكيل من خامة الحديد يعبر عن حمامات السلام، وتم تنفيذ العملين داخل المركز الإنتاجي بكلية الفنون الجميلة لإبراز دور الخدمة المجتمعية للكلية.
• حدثني عن آخر معارضك »‬الثورة علي الجدار».
- النحت الجداري مرتبط بالجدار مثل الرسوم علي الجدارن في زمن الفراعنة. يمكنني أن أوظف النحت بأن تُعامل معاملة التصوير ويتم تنفيذ الفكرة علي جدارية، وهي تشكيل مباشر بالمعادن وكلها تصلح لميادين.