حوارات

أخر ساعة تحاور مخترع "الواي فاي السريع" العالم المصري حاتم زغلول:ضاعفت سرعة الإنترنت في التسعينيات وسأطلق تقنية (6G) من مصر


حوار: أحمد الجمَّال
12/4/2018 3:32:45 PM

الدكتور حاتم زغلول، اسم لعالم مصري كبير، يعرفه الغرب جيداً بلقب "مخترع الواي فاي السريع"، فهو صاحب الفضل في اختراع جهاز في التسعينيات من القرن الماضي أدي إلي مضاعفة سرعة الإنترنت بصورة هائلة بما يتيح الحصول علي 100 مليون معلومة في الثانية، بدلاً من 300 معلومة فقط، وها هو الآن يحمل لقباً جديداً "مبتكر تقنية الجيل السادس في مجال الاتصالات".

زغلول المقيم في كندا منذ هاجر إليها عام 1983 وحتي 2008، ويتنقل بين العديد من دول العالم لمواصلة عمله، زار القاهرة أخيراً في إجازة قصيرة، والتقته »آخرساعة»‬ في حوار تذكر فيه أيام الدراسة في مدرستي »‬إمبابة» الإعدادية، و»‬الأورمان» الثانوية، قبل التحاقة بجامعة القاهرة لدراسة هندسة الاتصالات ثم جامعة عين شمس لدراسة الرياضيات التطبيقية، لينطلق بعدها إلي تحقيق حلمه بأن يصبح عالماً بارزاً في مجال الاتصالات والإنترنت، ويكشف لنا عن اشتغاله حالياً مع رفيق دربه العملي، المصري أيضاً، الدكتور ميشيل فتوش لعمل منظومة حديثة يدخل معها العالم إلي تقنية الجيل السادس (6G) آملاً أن يبدأ تطبيقها في مصر أولاً، حين تخرج إلي النور في موعد قال إن أقصاه مارس 2022.. التفاصيل في السياق.
• دعنا نتعرف عليك أكثر.. خاصة الفترة التي عشتها في مصر قبل السفر إلي كندا؟
- وُلدت في محافظة الجيزة عام 1957، ودرست في مدرسة »‬إمبابة» الإعدادية، ثم »‬الأورمان» الثانوية»، قبل أن ألتحق بكلية الهندسة في جامعة القاهرة وأدرس »‬هندسة الاتصالات»، وتخرجت عام 1979، ثم التحقت بكلية العلوم بجامعة عين شمس لدراسة الرياضيات التطبيقية، وفي السنة الرابعة (آخر تيرم) لم أواصل الدراسة، وكان مُتوقعاً أن أستكمل دراستي بالخارج، نظراً لعمل والدي كمذيع في هيئة الإذاعة البريطانية BB»‬، وكانت الأسرة وأنا معهم نسافر معه بصفة شبه سنوية إلي إنجلترا في الإجازة الصيفية، وبعد مغادرتي الجامعة عملت في شركة بترول كبري لمدة عامين ونصف العام، إلي أن تركتها عام 1983 وسافرت إلي كندا لاستكمال الدراسة هناك، وبالفعل حصلت علي الماجستير، ثم نلت درجة الدكتوراه في الفيزياء الكهرومغناطيسية.
• هل تتذكر الموقف الذي كان سبباً في اتخاذك قرار السفر لبناء حلمك؟
-  السبب الأساسي كان شعوري بغياب العدالة الاجتماعية في ذلك الوقت. فذات يوم عام 1983 تابعت خطاب الرئيس الأسبق حسني مبارك بمناسبة عيد العمَّال. قرأت نصه في إحدي الصحف القومية، وكان خطاباً تشاؤمياً يدعو إلي اليأس، حيث وجدت مبارك يستعرض فيه المشاكل، بينما كنت أتصوَّر أن يطرح حلولاً، وهنا شعرت بالإحباط، وأنه لا أمل في إحداث تغيير سريع، ورأيت أن طموحي في تحقيق حلمي في أن أصبح عالماً في مجالي صعب التحقق في ظل هذه الأجواء، لذا قررت في تلك اللحظة السفر إلي الخارج.
• أين يكمن الأمل برأيك في إصلاح والنهوض بمستقبل مصر؟
- لا أمل إلا في التكنولوجيا. هكذا كنت أري، ومازلت مؤمناً بذلك.. واخترت السفر إلي كندا تحديداً، لأنه كان لي شقيق يعيش هناك، فسافرت لزيارته ومن ثم قررت استكمال دراستي، ثم عملت كمدرس مساعد في جامعة »‬كالجاري» الكبري University of »‬algary، ثم حصلت علي الماجستير من نفس الجامعة عام 1985، وقبل إنجاز الدكتوراه عملت في شركة »‬تيلوس» للاتصالات Telus، وفي ذلك الوقت وتحديداً عام 1989 كانت هذه الشركة تسعي لأن تكون أول شركة تُدخِل نظام الجيل الثاني (6G) إلي الهواتف المحمولة، وطُلب مني مساعدتها في تحقيق هذا الهدف.
• هل قمت بهذه المهمة العلمية وحدك أم كان معك فريق من الباحثين المتخصصين؟
- تعاقدت في هذا العمل مع زميل لي يُدعي الدكتور ميشيل فتوش، وهو مصري أيضاً، وكان زميلا لي أثناء الدراسة في جامعتي القاهرة وعين شمس، وبدأنا بالفعل مشروعاً لدراسة التكنولوجيات المقترحة لتقنية الـ(2G) وكان عددها 6 تكنولوجيات، وشاء القدر أن هذه الشركة اشترت أكبر شركة موبايل في العالم وهي »‬نوفاتيل»، وأصبح عدد أعضاء فريقنا 24 باحثاً يعملون علي هذا المشروع تحت إشرافي، وبالفعل توصلنا أنا وميشيل إلي اختراع يُحسِّن جودة اتصالات الإنترنت، وبمعني أوضح يزيد المسافة التي يعمل فيها، لكن حين طبقنا هذا الاختراع علي التكنولوجيات المقترحة لم يعمل!
• وكيف تغلبتم علي هذه المشكلة؟
- أدركنا أن هذه التكنولوجيات بها عيوب، ففي ذلك الوقت كانت خدمة الإنترنت تعمل علي المكالمة الصوتية، وبالتالي كانت هناك مشكلات عِدة، يدركها كل من عايش تلك الفترة، وتأكدنا أننا أمام مشاكل تقنية يجب التغلب عليها، وهنا أبلغنا الشركة بأن كل هذه التكنولوجيات سيئة، ونجحنا في تصميم الجهاز (الاختراع) واقترح زميلي ميشيل تكنولوجيا تُسمي OFDM، ودرستها معه بعد 6 أشهر، وأجرينا عليها تعديلات كثيرة وأطلقنا عليها WOFDM، وبدأنا نفكر في تطبيقها علي الموبايل، وكان هدفنا إتاحة إمكانية الاتصال بالإنترنت بين أي شخص وأي شيء في أي مكان وأي وقت.
• كيف تم ترويج هذا الاختراع عالمياً؟
- نظراً لأننا كنا نخشي من سرقة الفكرة، فقد راقت لنا نصيحة أحد الأشخاص بأن نقوم بإنتاج الجهاز وتسويقه، وبالفعل أسسنا شركة تحت اسم (Wi-LAN)، وبدأنا نصمم نموذجاً، وفي غضون 9 شهور كان لدينا نموذج وعرضناه في أحد المعارض المتخصصة بتاريخ 4 أكتوبر 1993، وكان هناك العديد من الشركات من بينها »‬إنتِل» Intel  وهي واحدة من أكبر الشركات متعددة الجنسيات في الولايات المتحدة، ومتخصصة في مجال الإلكترونيات، وقالت الشركة لنا إن الجهاز كبير من حيث الحجم، وطلبوا منا العمل عليه مُجدداً ليصلح للدخول في »‬الديسك توب» علي كارت واحد، وبالفعل تم تصغير الحجم عام 1997، وقد أشادت بالجهاز العديد من الشركات المتخصصة في شبه الموصلات.
وفي عام 2000 تقدمنا بطلب إلي الهيئة القومية للاتصالات في أمريكا لكي نتمكن من بيع الجهاز علي الموجة 2٫4 مليار ذبذبة/الثانية، ولكن قوبل الطلب بالرفض، وبعد فترة تواصلنا مباشرة مع مسؤولين في الهيئة وجددنا الطلب وحصلنا علي الموافقة بعد عام.
• ما أهم شيء كنت تسعي إليه أنت وزميلك ميشيل أثناء العمل علي هذا الاختراع؟
- أنا وميشيل قُدنا العالم إلي أن السرعة هي أهم شيء، ولتدرك قيمة ما أنجزناه، عليك أن تنظر إلي الوضع قبل اختراع جهازنا، فكما قلت كانت خدمة الإنترنت تعمل علي خط التليفون أي أنه يتم تحميلها علي المكالمة التليفونية، بما كان يتيح 300 معلومة في الثانية فقط، لكننا نجحنا في مضاعفة هذا الرقم إلي 100 مليون معلومة في الثانية، وهذا إنجاز كبير جداً، فالعالم كله دخل في سباق هائل علي السرعة، وهو ما يتضح من خلال السباق بين الشركات التكنولوجية المختلفة في هذا الإطار، وفي أمريكا سيتم العمل قريباً بتقنية (5G) التي تصل سرعة الإنترنت فيها إلي 3 جيجا/ثانية، ومصر أعلنت أيضاً عن دخولها بحلول العام 2020.
• لكن في ظل وصول السرعة إلي هذه المعدلات الفائقة، ما الذي فكرت فيه كإنجاز جديد؟
- بالفعل السرعة حالياً أصبحت جيدة، لذا بدأت أفكر في شيء جديد، وهو فكرة الجيل السادس (6G) فالمستقبل سيكون للعملات الرقمية، تماماً مثلما نسمع الآن عن »‬البيتكوين» Bitcoin، وهي عملة إلكترونية تتداول عبر الإنترنت فقط، وفكرتنا علي مستوي الاتصالات عبر الشبكات الإلكترونية ستكون شبيهة إلي حد كبير، وستضمن عدم وجود عمليات نصب أو احتيال، بحيث سيكون متاحاً لأي شخص التعرف علي هوية المتصل وحسابه، وسيكون بإمكانه أن ينقل إليه المعلومات بأمان، لضمان عدم حدوث أي تلاعب.
• لكن كيف يتحقق الأمان من خلال التعامل إلكترونياً مع أشخاص غرباء؟
- هذه هي الفكرة.. ستكون هناك عناصر أمان لتحديد هوية الشخص وتضمن أنني متصل بالشخص ذاته وليس شخصاً مزيفاً آخر، ليس هذا فحسب بل سنضمن سلامة المعلومات، وهذا أيضاً يعني أنه سيكون مستحيلاً سرقة أي هاتف ذكي. ولمزيد من التوضيح علينا أن ننظر إلي جهاز »‬الراوتر» المعروف حالياً، فهو عبارة عن جزيرة مستقلة يعمل كجهاز مستخدِم، لكن الحقيقة إن هذا الراوتر لديه إمكانيات هائلة لا نستعملها نهائياً، وما سنقوم به هو استخدام كل إمكانيات كل الأجهزة الموجودة علي الشبكة بطريقة تُسمي »‬بلوك تشين» Block chain، وتشبه فكرة وجود سلسلة من البلوكات أو الكتل المتراصة، وستعمل بشكل آمن تماماً ومُشفرة، أما بخصوص بناء الشبكة، فالأمر سينقسم إلي شقين: أولاً شبكة اتصالات يكون فيها كل أجهزة الاتصالات تستخدم إمكانياتها المتاحة لتحسين الخدمة، وثانياً شبكة كمبيوتر، تحقق الذكاء الاصطناعي، وتحفظ وتدرس المعلومات، وتعمل علي تحليلها في مكانها والوصول إلي معلومات عن المُستخدِم لتحسين الخدمة، وتحقيق الرقابة الأمنية. باختصار فإن تقنية الجيل السادس (6G) هي شبكة اتصالات وشبكة كمبيوتر متعاونتان معاً لخدمة المستفيد من الخدمة.
• هل يمكن أن تضرب لنا مثالاً توضيحياً لتبسيط الفكرة؟
- علي سبيل المثال، ستكون هناك شبكة واحدة بين مجموعة من الأفراد وبإمكانهم تبادل أي شيء مثل المساحة داخل الهارد ديسك أو تبادل سرعات الإنترنت والكمبيوتر نفسه، بمعني أنه سيكون متاحاً بالنسبة إليك أن تستخدم جهاز جارك في نفس العمارة الذي تشترك معه وباقي سكان العمارة مثلاً في نفس الشبكة.
• ما المزايا التي تحققها هذه المنظومة التقنية؟
- الميزة الرئيسية هي أن الشبكة سيقل سعرها بصورة كبيرة في حدود ألف مرة، وكمثال علي ذلك، يمكن إدخال خدمة الإنترنت لبلد في أفريقيا بلا إنترنت بسعر أقل بكثير، فتوزيع الشبكة الواحدة في حالة الـ(6G) علي عدد كبير من المستخدمين سيقلل سعرها جداً، مقارنة بالوضع في حالة تقنية (5G) حيث يحتاج الأمر إلي إقامة شبكة كل 300 متر.
ومن المزايا أيضاً أن أسعار الهواتف الذكية ستتقلص بشكل رهيب، فمثلاً هاتف يباع بـ 24 ألف جنيه سيقل سعره إلي ما دون الألف جنيه! نظراً لتقليل الإمكانيات الداخلية للهاتف، لأنه سيعتمد علي شبكة الاتصالات الرئيسية »‬السيرفر»، وبالتالي لن تكون هناك حاجة لوجود حاسب سريع داخل الهاتف، حيث سيكون بإمكانك أخذ هذه المساحة من السيرفر الرئيسي، كما أنك لن تكون مضطراً لتنزيل أي برامج أو تطبيقات علي الهاتف، لأنها كلها ستكون متاحة علي الشبكة الرئيسية.
• هل هناك خدمات أخري يمكن الاستفادة بها بعد تطبيق تقنية (6G)
- بكل تأكيد هناك حزمة خدمات أخري، فما نسعي إليه يمكن تسميته بـ»‬اشتراكية الشبكة»، أي أن الشبكة لن تكون ملكاً لشركة بعينها، فأي شركة من شركات الاتصالات التي نتعامل معها الآن ستتحول إلي مقدم خدمة لشركات أخري تُشغِّل الخدمة، وفي مجال التعليم مثلاً، ومع اتجاه وزارة التربية والتعليم في مصر إلي تعميم فكرة التعليم الإلكتروني وتعامل الطالب مع التابلت سيكون من المستحيل انقطاع خدمة الإنترنت أو عدم وصولها للمناطق النائية وسيكون من السهل تبادل المعلومات من خلال الشبكة الرئيسية. أيضاً في ظل اتجاه الحكومة إلي إلغاء الدفع بنظام »‬الكاش» وتعميم الشمول المالي فسيكون هناك تطبيق متاح هو »‬الفلوس الرقمية»، بحيث يتم الدفع إلكترونياً من خلال الموبايل، وهناك مزايا أخري منها »‬الصحة الإلكترونية»، بحيث تكون هناك ساعة يد مرتبطة بالموبايل تقيس ضغط الدم ونسبة السكر وضربات القلب وبإمكانها التنبؤ بحدوث أي غيبوبة أو جلطة قبلها بساعة مثلاً وتنبيه الشخص بذلك، وبالتالي إنقاذ نفسه قبل حدوث الأزمة الصحية.
• هل هناك مزايا في مجالات أخري؟
- نعم، بالنسبة للسيارات مثلاً سيكون بإمكانها التحدث معاً، بحيث يكون هناك إنذار ذكي من خلال شبكات المواصلات الذكية، ومثلاً سيصل تحذير من سيارة إلي أخري بأنها تقترب منها بشدة، وبالتالي يمكن تفادي حوادث الطرق، كما أن هناك تطبيقات في مجال الزراعة وغيره الكثير.. ومن المهم أيضاً التأكيد علي أن هذه المنظومة التقنية ستعمل علي تحديث نفسها تلقائياً مع ظهور أي منظومة أو جيل جديد من الشبكات.
• يبدو الأمر مذهلاً لكنه في الوقت ذاته مرعب فالذكاء الصناعي يمكن أن يدمر حياة البشر..؟
- ليس الأمر كما تتصوَّر. إذ يجب استخدام الذكاء الاصطناعي لخدمة البشر وتحسين حياتهم، وما نتحدث عنه لا يعني تعطيل العقل البشري، بل إنه يكمله ويضبط حياته بشكل صحيح. لك أن تتخيل أن تقينة كهذه حين تتاح في مصر، لن تكون لدينا أي مشكلة كبيرة في الإنترنت في محافظات الصعيد أم المناطق النائية.
• كيف يجري العمل علي هذه المنظومة في الوقت الحالي؟
- لدينا منصة ندعو من خلالها كل العاملين والدارسين والباحثين في مجالات الاتصالات وعلوم الكمبيوتر للتعاون معنا لإخراج منظومة (6G) إلي النور، وامتلاك حق الملكية الفكرية لها، لأنها مجموعة من براءات الاختراع، ونسعي لأن يبدأ تطبيق الفكرة في مصر، وسنعقد منتدي لهذا الغرض بشكل سنوي في مدينة شرم الشيخ، يكون تجمُعاً لمجموعة من الشركات العالمية الكبري التي تعمل معاً لإنجاز أول شبكة تعمل بهذه التقنية الجديدة، وخلال هذا المنتدي سنعمل علي دراسة الفكرة مع شركات البحث العلمي والجامعات ومراكز الأبحاث المتخصصة.
• كم عدد الشركات التي تم الاتفاق معها في هذا الصدد؟
- تم الاتفاق مع 30 شركة وجامعة من مصر وأمريكا وكندا والسعودية وباكستان.
• متي تتوقع الإعلان عن إطلاق شبكات وتقنية الجيل السادس؟
- الحد الأقصي الذي حددناه هو مارس 2022، وإن كنا نتوقع أن يحدث ذلك في وقت أقل بحلول العام 2020، وخلال 6 شهور فقط أتوقع أن تكون لدينا المواصفات القياسية للمنظومة.