حوارات

حمدي الكنيسي:السادات وظف الإعلام لصالح دهائه السياسي والعسكــــري قبـل حـرب أكتـوبر


حمدي الكنيسى

حمدي الكنيسى

أحمـد جمـال
12/25/2018 11:40:59 AM

كانت وسائل الإعلام والمحتويات التي تقدمها مثار اهتمام الرئيس الراحل أنور السادات ما جعله ينتقل من مرحلة المتابع إلي مناقشة الأعمال الفنية المعروضة، وكان تذوقه الفني دافعا لتشجيع (ملك الموسيقي) بليغ حمدي لتحلين تواشيح وابتهالات الشيخ سيد النقشبندي، بالإضافة إلي استغلاله لوسائل الإعلام وتوظيفها لتنفيذ دهائه العسكري ضد العدو الإسرائيلي قبل انطلاق حرب أكتوبر، وهو ما أكده الإعلامي الكبير حمدي الكنيسي نقيب الإعلاميين في حواره لـ"آخرساعة"، بمناسبة مئوية ميلاد بطل الحرب والسلام، لافتا إلي أن إسرائيل تيقنت من أنه يعيش حياة الملوك بعد تعمده تسريب إحدي الصور الخاصة به وهو يرتدي المايوه علي شاطئ البحر وبجواره كلب يداعبه مما أعطي انطباعاً بأنه لا يشغله التفكير في القيام بحرب لتحرير الأرض والكرامة العربية.
وأشار الكنيسي إلي أن مقارنة السادات الدائمة بين دور الإعلام الغربي والأمريكي الداعم لإسرائيل والولايات المتحدة من جهة وبين الدور الذي كان يقوم به الإعلام المصري بعد حرب أكتوبر والذي عارض اتجاهه للسلام كان سببا رئيسيا في خلافاته مع العديد من الصحفيين والإعلاميين، إذ كان يري أن الإعلام لابد أن يكون داعما لجهوده في السلام وأن العديد من وسائل الإعلام الغربية وصلت إلي مرحلة من مراحل تقديس قياداتها لدعمها عقب الهزيمة في وقت كان يحرك الإعلام المصري والنخب الناس ضده، ودفعه ذلك لنقل عدد كبير من الصحفيين إلي وزارة التموين وغيرها من الوزارات لإبعادهم عن المناصب التي كانوا يشغلونها.. وإلي نص الحوار..

• كيف كان ينظر الرئيس الراحل أنور السادات إلي وسائل الإعلام؟
ـ الرئيس الراحل كان يدرك أهمية الإعلام وتأثيره في المجتمع المصري والمجتمعات العربية بل وامتداد ذلك إلي داخل إسرائيل تحديدا الجاليات العربية والفلسطينيين، كما أن ميوله الثقافية قبل توليه رئاسة الجمهورية باعتباره قائدا عسكريا يختلف عن باقي القادة بعد أن شارك في بعض الأعمال الفنية في فترة الصغر وتوليه رئاسة تحرير دار التحرير، ما جعله يوظف الإعلام وفقا لخططه ورؤيته وتجلي ذلك حينما خدع العدو الإسرائيلي بتصدير صور وأخبار تشير إلي أنه يعيش حياة الملوك من الصعب أن يتخذ قرار الحرب علي المدي القريب وكانت صورته بالمايوه علي شاطئ البحر وبجواره كلب يداعبه الأشهر من بين هذه الخدع.
• كيف أثرت ميول السادات الفنية علي الحالة الثقافية والفنية والإعلامية أثناء توليه؟
ـ السادات كان متابعا جيدا لجميع أنواع الفنون التي تعرض في وسائل الإعلام وداخل أروقة السينما والمسرح وهو ما انعكس علي صلاته بعدد كبير من الفنانين وكان يناقشهم في أعمالهم الفنية التي يقدمونها ومن ضمن الأمور التي لا تنسي أنه أقنع بليغ حمدي لتحلين تواشيح وابتهالات (مولاي) للشيخ سيد النقشبندي والتي تعد تراثا أصيلا يفتخر به المصريون ومازلنا نستمتع به حتي وقتنا هذا.
• وماذا عن تأثير الإعلام المصري علي عرب إسرائيل أثناء فترة تولي الرئيس الراحل؟
ـ برنامج "صوت المعركة" الذي كنت أقدمه أثناء حرب أكتوبر كان أحد عوامل تأثير الإعلام المصري بين عرب إسرائيل والفلسطينيين وحينما شكلت إسرائيل لجنة لبحث أسباب هزيمة جيش الدفاع الذي لا يقهر كان ضمن موضوعاتها بحث أسباب انتشار البرنامج الإذاعي في المواطنين هناك، وأبلغ أحد ضباط المخابرات الرئيس أنور السادات ذلك الأمر وأكد له أن جماهيرية البرنامج أزعجت إسرائيل، واتصل بعدها مباشرة بالدكتور جمال العطيفي وزير الإعلام آنذاك وطالبه بتكريمي، وبالفعل التقيت بالوزير الذي عرض علي ترقيتي درجتين استثنائيتين تقديرا لنجاح البرنامج والدور الوطني الذي قمت به، غير أنني رفضت هذا العرض وطالبت في المقابل بنقابة للإعلاميين، ولكن هذا الطلب لم ينفذ لخروج الوزير من الوزارة في تعديل وزاري بعدها بفترة قليلة.
• حدثنا عن أبرز مواقف الرئيس أنور السادات مع حمدي الكنيسي أثناء عملك في الإذاعة المصرية؟
ـ الموقف الأبرز لي مع الرئيس السادات كان حينما طلب لقائي لتهنئتي علي نجاح برنامج "صوت المعركة"، إذ إنني فوجئت برئاسة الجمهورية تهاتفني وتطلب مني السفر إلي الإسكندرية للقاء الرئيس غير إنني رددت بتلقائية "أنا لسة جاي من إسكندرية هروح تاني"، فضحك من اتصل بي قائلا: "يا أخ حمدي بقولك رئيس الجمهورية وعلي العموم هانبعتلك عربية"، وكان اللقاء في المعمورة واستمر لساعتين، ظلّ فيهما السادات يمدح في البرنامج ويناقشني فيه وقالي لي إنه عدل من ميعاد غدائه حتي يتسني له الاستماع للبرنامج، وسألني عن مدي إمكانية تحويل المعلومات الإذاعية إلي كتاب يؤرخ للمرحلة الأعظم من تاريخ مصر الحديث، وبالفعل حولتها إلي كتاب ضخم باسم "الطوفان"، تناول شهادات المصريين والعرب والإسرائيليين والخبراء العالميين في حرب أكتوبر وكان سعيدا جدا بهذا الكتاب، ووجه لي التحية علي ما جاء فيه من معلومات.
• لكن العلاقة بين الرئيس الراحل أنور السادات والإعلام لم تكن علي ما يرام طوال فترة حكمه؟
ـ في فترة ما بعد الحرب وحينما أدرك السادات أن تحرير باقي الأرض لن يكون سوي عن طريق السلام لقي هجوما كبيرا من وسائل الإعلام ورأي أن هذا الدور الذي لعبته النخبة يأتي في اتجاه يضر بجهوده في تحقيق السلام واتخذ موقفا صارما وحُسب عليه فيما بعد تجاه الإعلاميين بعد أن نقل العديد منهم إلي وزارات عدة علي رأسها وزارة التموين وجردهم من مناصبهم الإعلامية التي كانوا يتقلدونها، لكن الحاسم في هذه القرارات هو مقارنته الدائمة بالدور الذي يقوم به الإعلام في الداخل ودور وسائل الإعلام الغربية تحديدا الأمريكية والإسرائيلية مع قياداتها والتي كانت تصل في بعض الأحيان إلي تقديس الإعلاميين لقياداتهم في محاولة للتعامل مع آثار الهزيمة، وتأثر السادات بذلك وكان مؤثرا في قراراته ضد الصحفيين، ولكن ما علمناه بعد ذلك أنه ذلك كان بشكل مؤقت وأنه كان سيعود عن هذه القرارات عقب الانتهاء من تحرير سيناء.
• كيف يمكن لنا أن نوصف باختصار أهم سمات الرئيس الراحل أنور السادات في ذكري ميلاده؟
ـ سمات السادات يمكن تلخيصها بأنه رجل القرارات الصعبة، والتي كانت مثار إعجاب وتقدير من العالم أجمع حتي وقتنا هذا، لأنه كانت لديه القدرة الفائقة علي اتخاذ أصعب القرارات في وقت لا يتصور أحد أنه يفكر في الإقدام عليها، وعلي رأس ذلك قرار الحرب، إذ كان يعلم جيدا أن القوات المسلحة المصرية تقف في مواجهة موانع طبيعية تتمثل في طريقة المد والجزر في قناة السويس بالإضافة إلي موانع صناعية رهيبة لا يجرؤ جيش علي اقتحامها علي رأسها خط بارليف أقوي خط حصين في التاريخ وكذلك ما تمتلكه إسرائيل من أقوي الأسلحة والمعدات، وبالرغم من كل ذلك كان السادات جديرا باتخاذ القرار، بل إنه قاد الحرب بذكاء وشجاعة رائعة، كما أنه تعامل مع الضغوطات الأمريكية التي مارستها عليه أثناء الحرب بالقدر الذي يسمح للقوات المسلحة بفرض سيطرتها علي سيناء واضطر لتغيير استراتيجيته من الحرب إلي السلام في سبيل تحقيق ذلك.
وكذلك فإن السادات كان شريكا ومؤثرا في قرارات ثورة يوليو 52 الصعبة والتي شارك فيها باعتباره أحد الضباط الأحرار وكان أحد الفاعلين في إنجازات تلك الثورة الصناعية والاجتماعية والزراعية ومنها السد العالي ومشروع الألف مصنع، وصحيح أن عبدالناصر بما يمتلكه من كاريزما كان في الواجهة واتجهت إليه كل العيون ولكن السادات كان شريكا مهما في كل هذه الإنجازات.
• وماذا عن أهم خطوات حمدي الكنيسي المهنية أثناء الحقبة الساداتية؟
ـ فترة عملي كمراسل حربي أثناء حرب أكتوبر هي الفترة الأعظم في حياتي وفي تاريخ مصر العظيم، وكان إذاعة تفاصيل العبور ومعايشة الجنود أثناء فرحتهم وانتصارهم لا يمكن أن تنسي حتي الآن، وما شاهدته من إقدام المقاتلين المصريين سواء كانوا جنودا أو ضباط أثناء الاشتباكات مع العدو والتضيحة بشكل رائع من أجل الوطن كان له عظيم الأثر علي حياتي حتي الآن.
• من وجهة نظر المراسل الحربي حمدي الكنيسي.. هل تسير الدولة المصرية حاليا علي درب إنجازات السادات تحديدا التي تتعلق بتحرير الأرض والسلام؟
ـ الدولة المصرية في الوقت الحالي تستكمل المسارين اللذين اتجه خلالهما الرئيس الراحل أنور السادات، فهناك حالة حرب تجري الآن في سيناء ولكن مع عدو مختلف وهو الإرهاب وتخوض الدولة حربا شرسة ضد أجهزة مخابرات أجنبية تمول تلك الجماعات والتنظيمات الإرهابية، واستطاعت أن تنجز 90٪ منها في وقت لا تستطيع دول كبري أن تزعم أنها استطاعت التغلب علي داعش، أما المسار الثاني والموازي للسلام فيتمثل في البناء والتنمية بحيث ينتهي الأمر بتعمير وبناء سيناء وتحويلها إلي منطقة آهلة بالسكان وبها مشروعات صناعية وزراعية وهو ما يجري تنفيذه علي مراحل متعددة في الوقت الحالي.