حوارات

يكشفها المهندس حسب الله الكفراوي وزير الإسكان الأسبق لـ«آخرساعة» :كواليس آخر 48 ساعة في حياة السادات


عــلا العيســوي
12/25/2018 11:49:41 AM

بتنهيدة طويلة تحمل شجن الحنين إلي الماضي، وتستعيد الذكريات الجميلة، والمواقف الصعبة، التي جمعته بالرئيس الراحل أنور السادات، بدأ المهندس حسب الله الكفراوي، وزير الإسكان الأسبق، الذي مكث ما يقرب من ستة عشر عامًا وزيرًا للإسكان بتكليفات من الرئيس الراحل أنور السادات، ثم الرئيس السابق حسني مبارك، حديثه لـ»آخر ساعة»‬.
لقب الكفراوي بـ"أبو المدن الجديدة" لتنفيذه توجيهات الزعيم الراحل أنور السادات الذي كان يرغب في الانتشار الجغرافي وتعمير المدن الجديدة، وهو أول من دعا إلي تأسيس بنك الإسكان والتعمير.. أجواء الدفء كانت تملأ أجواء حواره معنا، وكأننا نري مشاهد حية للبطل الزعيم الراحل أنور السادات.

• حدثنا عن بداية علاقتك بالرئيس السادات وكيف توليت منصب نائب وزير الإسكان؟
- التقيت ممدوح سالم الذي كان يعمل رئيسا للوزراء في عهد السادات، وطلب مقابلتي وأبلغني أن الرئيس السادات قرر تعييني نائب وزير الإسكان في مجلس الوزراء، وتم تحديد موعد مع الرئيس السادات في اليوم الذي تلا لقائي بممدوح سالم في الساعة الحادية عشرة صباحا، وعندما التقيت السادات قال لي "أنا كنت في أمريكا والتقيت الرئيس الأمريكي فورد سألني ليه أنتو عايشين علي 4٪ من أرضكم والباقي فاضي، معرفتش أجاوبوا"، وأثناء عودتي تحدثت مع عبدالمنعم القيسوني وتبادلنا الحديث حول إجابة هذا السؤال، وافتكرتك يا كفراوي، لذلك قررت تعيينك نائبا في مجلس الوزراء كي تقوم بالإجابة علي هذا السؤال"، فأدركت وقتها حجم المسئولية علي عاتقي وأن هناك توجها من الرئيس السادات بتعمير بلاده .
• كيف تعاملت مع توجه السادات في الانتشار العمراني والتوسع في المدن الجديدة؟
- التقيت بمجموعة من علماء الاقتصاد وقتها منهم عثمان بدران في الزراعة، مصطفي الجبلي، عزيز جريتس الذي كان يعمل وزيرا للاقتصاد، سليمان عبدالحي وزير النقل الأسبق، وتبادلنا الحوار للإجابة عن سؤال السادات " ليه سايبين مساحة 96٪ من مصر فاضي، وأزاي نملاه "، وتم إعداد البرنامج خلال الفترة من إبريل 1977حتي أكتوبر 1977 والرئيس كان يتابعني شخصيا، وقمت بإعداد البرنامج وعرضه علي الرئيس السادات، تناول البرنامج تقسيم الجمهورية إلي 6 مناطق تضمنت سيناء، محور قناة السويس من بورسعيد إلي قناة السويس، ساحل البحر الأحمر حتي حلايب وشلاتين، الوادي الجديد، الساحل الشمالي من العريش إلي سيدي براني بمحافظة مطروح، وتم تحديد ما سيتم تنفيذه في كل منطقة علي حدة، وأحمد الله أن برنامجي يتم تنفيذه حتي وقتنا هذا ، وحصلت علي درع الأمم المتحدة من سكرتير عام الأمم المتحدة عام 1990 في نشاطات التعمير .
• كيف بدأت تنفيذ برنامجك في التوسع في المدن الجديدة؟
- عندما انتهيت من البرنامج وقتها وقمت بعرضه علي الرئيس السادات، وعرضت عليه إنشاء 17 مدينة جديدة في الدلتا والوادي، وكيفية تنفيذه في الست مناطق التي تم تقسيم الجمهورية إليها،أجابني السادات بأنه تم منحي مهلة أسبوع لوضع حجر الأساس لأول مدينة جديدة وهي العاشر من رمضان، وقتها لا أنسي ما قام به عثمان أحمد عثمان من دعم ومساعدة، وبعد أسبوع من المهلة اصطحبني السادات برفقة رئيس الوزراء وقتها ووزير الإسكان لافتتاح المدينة الجديدة، وحينها كنت نائبا للوزير، وقمت بتقديم شرح تفصيلي لما سيتم إقامته من مشروعات إسكان اجتماعي ومشروعات صرف صحي ، واستعنا وقتها بالمكاتب الاستشارية للتخطيط العمراني من ضمنها مكتب بسويسرا وآخر بأمريكا، وبعدها أنشأنا أقساما للتخطيط العمراني في الجامعات المصرية كلها .
• ما الذي كانت تستهدفه سياسات الـســـــــــادات فــــــــي طــــــــــرح أراضــــــــي الإســـــكـــــــان الاجتماعي؟
- أثناء إعدادي البرنامج اقترحت علي الزعيم الراحل سعر المتر بـ14 جنيها في العاشر من رمضان، وقتها أصر السادات علي طرح المتر بـ50 قرشا، أصبت بحيرة، وطلبت من مسئول التخطيط في المدينة بأن يعيد شرح سعر المتر علي الرئيس مرة أخري خشية الخسائر الذي سيتعرض لها المشروع في حال طرح سعر المتر بـ50 قرشا، فالسادات نظر لي قائلًا: "بكره بيع المتر بخمسين قرش"، التقيت بممدوح سالم وقتها وأبلغته أن الخسارة كبيرة، فأبلغني أن هذا القرار جمهوري، ولا بد من تنفيذ القرار، وأعلنت عن طرح مليون متر في هذه المنطقة، وبعد الإعلان تم حجز 11 مليون متر بعد أسبوع من فتح باب الحجز، فذهبت لممدوح سالم مرة أخري، وأبلغته أنه بعد حجز هذه المساحات من الأراضي سترتفع الخسارة من 13 مليون جنيه إلي 150 مليون جنيه، فطلب مني الذهاب إلي السادات ومقابلته، بعدها التقيت به فقال لي "مبروك يا كفراوي"، أجبته "علي إيه يا ريس دي الخسارة كبيرة"، فأجابني السادات ستتولي وزارة الإسكان في أكتوبر وطلب مني الجلوس للرد علي أسباب طرح المتر بـ50 قرشا قائلا: "المواطن المصري اللي معندوش أرض يسكن فيها ويشتغل فيها ويدفن فيها أقوله روح موت في سينا ليه ياكفراوي، ده ثمن الانتماء والولاء المجتمع لازم يدفعه، المواطن المصري لازم يبقي ليه ملك في بلده،علشان يدافع عن ملكه، ديه سياسة ولازم نتفق عليها"، وقام بتكريمي بعدها ومنحني وسام الجمهورية وقتها، وأنا لم أكن قد توليت الوزارة وقتها .
•  متي توليت وزارة الإسكان؟
- تسلمت وزارة الإسكان في أكتوبر 1977 كانت أسعد أربع سنوات في حياتي، لأني وجدت الأمان والشعور بعدم القلق، كنا نركز في تحقيق الإنجازات علي أرض الواقع بدعم من الرئيس السادات، كنت أعمل وسط مساعدين ومستشارين مخلصين .
• حدثنا عن كواليس اغتيال السادات؟
- قبل وفاته بـ48 ساعة، كنا بصحبته في مدينة النوبارية الجديدة بعد أن أضاف إلي عملي كوزير للإسكان واستصلاح الأراضي، وفي 4 أكتوبر قمنا بجولة في مدينة النوبارية، قمت من خلالها بتقديم شرح واف عن 30 قرية جديدة علي ربع مليون فدان في مدينة النوبارية الجديدة، طلب مني إحضار دفتر زيارات بعد الاستماع إلي حديثي، وأنا لم أكن امتلك دفترا للزيارات، فأحد رؤساء الشركات الذي كان ضمن الجولة منحته نوتة، كتب عليها السادات كلمات شعر موجهة لوزارة التعمير عن مدي ثقته وعشمه في الإنجاز الذي تم تحقيقه، وطلب مني عقب الزيارة ترك سيارتي والذهاب معه في الطائرة الخاصة به وبصحبتي فؤاد محيي الدين"، وأثناء تواجدنا معه بالطائرة نظر السادات من نافذة الطائرة وكأنه كان يناجي الله قبل اغتياله ب48 ساعة قائلا: "الحمد لله، أنا اطمنت عليكي يامصر، مصر حطت رجلها علي طريق التنمية، وأنا بكده مأموريتي انتهت، إن شاء الله في 25 إبريل 1981 استلم باقي الأرض، واعتزل، والمصريين ينتخبوا اللي بيحبوه"، فرد عليه فؤاد محيي الدين قائلًا: "ومين هيسمح ليك بكده يا ريس"، رد السادات قائلا: "سيبك من الكلام ده يافؤاد، شعبنا أصيل ومن حقه يختار رئيسه، أنا أديت رسالتي".
• حدثنا عن حادث المنصة؟
- بعد 48 ساعة، كنا في المنصة، كان يوما رهيبا يشيب له الأطفال، كنت مبهورا بالطائرات، وبالعروض، وفجأة وجدت سعد زايد محافظ القاهرة الأسبق وقتها يدفعني علي الأرض ويردد لي "انزل"، أصيب الرئيس وانتقل إلي مستشفي المعادي العسكري، هرولت إلي المستشفي، دخل السادات العناية المركزة وخرج الأطباء أخبروا السيدة جيهان السادات بأن " الملك لله "، اصطحبني مبارك إلي مجلس الوزراء وتم تعيين مبارك .
• هل كان السادات ديكتاتورًا في آرائه أم كان يميل للحوار مع المقربين؟
- السادات كان مشغولا دائما بالبلد، وحينما كان يحب التفكير بصوت عال، كان يتحدث إلي أو إلي أنيس منصور، كان يصطحبنا إلي سانت كاترين أو إلي استراحة القناطر ويتناقش معنا، ويطرح السؤال علينا، ويستمع إلي آرائنا ومناقشتنا .
• ما أصعب المواقف التي تتذكرها في حياتك مع السادات؟
- حينما قرر السادات إلقاء الخطاب في الكينست الإسرائيلي ووجد اعتراضات من الجميع، وقتها وزير الخارجية إسماعيل فهمي استقال، وكنت وقتها وزيرا جديدا للإسكان، كنا في الإسماعيلية، وكان السادات يستعد للسفر إلي تل أبيب، كنا نجلس برفقة ستة من المقربين إلي السادات فوجئنا بمبارك يميل علي السادات ليخبره بأن وزير خارجيته إسماعيل فهمي قدم استقالته فرد السادات قائلا: "وأنا قبلت الاستقالة"، فقررت التدخل وقتها لأني استنكرت موقف إسماعيل فهمي، وانسحبت من الجلسة في هدوء وسافرت إلي القاهرة والتقيت إسماعيل فهمي، وأقنعته بالعدول عن الاستقالة، وتراجع عن موقفه، بعدها كنت في وداع الرئيس السادات قبل سفره إلي تل أبيب، فقال لي "شكرا ياكفراوي" لو كنت تحدثت إلي قبل الذهاب إلي إسماعيل فهمي كنت سأرفض ذهابك إليه لأني قبلت استقالته بالفعل .
• لماذا أُطلق عليك "وزير الإسكات"؟
جلال الحمامصي وهو أحد كبار الكتاب كتب عني سلسلة المقالات أطلق علي وزير الإسكات، اتصل بي الرئيس السادات وعنفني قائلا "أنت مش بتقرا جرايد ولا إيه، رد علي مقالاته"، فأجبته: "سأرد علي كل اتهاماته حينما ينتهي من سرد اتهاماته"، وتم نشر ردي في جريدة الأخبار فعلا .