حوارات

قـائد طائرة الرئيس السـادات يفتح لـ«آخرسـاعة» صــــندوق الذكريات

ماذا قال قادة إسرائيل للواء أبوبكر حامد عن بطل الحرب والسلام؟


اللواء أبو بكر حامد

اللواء أبو بكر حامد

حوار: أحمــد الجمَّــال
12/25/2018 11:53:25 AM

في حياة الرئيس الراحل أنور السادات شخصيات قليلة للغاية كانت علي مقربة منه لسنوات طويلة، بحكم طبيعة عملهم والمهام الموكلة إليهم. من بين هؤلاء كان اللواء طيار متقاعد محمد أبوبكر حامد (72 عاماً) طيار الرئاسة الذي تولي مهامه لمدة 20 عاماً (1977 - 1997)، فمنذ العام 1977وبالتزامن مع أحداث الشغب التي شهدتها البلاد رفضاً لمشروع ميزانية يرفع أسعار العديد من المواد الأساسية، عمل أبوبكر طياراً بالسرب المسؤول عن تنقلات رئيس الجمهورية وكبار شخصيات الدولة، فكان يصاحب الرئيس السادات خلال تنقلاته شبه اليومية في مباحثات السلام التي تخللتها مقابلاته مع رئيس وزراء إسرائيل وقتذاك مناحم بيجن في أسوان.. في هذا الحوار يفتح اللواء أبوبكر لـ"آخرساعة" صندوق ذكرياته عن بطل الحرب والسلام، وينقل شهادات قادة إسرائيل أنفسهم عنه، مثل أرئيل شارون وعيزرا وايزمان، والتي عكست انبهارهما بشخصية زعيم قلما تجود بمثله الأزمنة.

• هل تتذكر المرة الأولي التي التقيت فيها الرئيس السادات؟
- بكل تأكيد.. لم يكن السادات وقتها رئيساً للبلاد، وجاء في زيارة إلي أحد المطارات العسكرية عام 1968، كان الهدف من الزيارة رفع الروح المعنوية للطيارين بعد الهزيمة في حرب 1967، وكذلك للتعرف علي مطالب الطيارين - الذين كنت واحداً منهم - استعداداً للحرب القادمة، وقلنا له إننا لم نكن سبب الهزيمة، وطلبنا أن تكون لدينا طائرات مزودة بتسليح أفضل ومدة استمرارها في الطيران أطول، حيث كنا نقاتل في حرب 1967 بطائرات "ميج17" و"ميج21"، وهي طائرات مناوراتها جيدة، لكن تسليحها أقل ومدة استمرارها في الجو أقل، وبالتالي لا يمكنا الدخول بها في عمق العدو.
• وماذا كان رده؟
- قال لنا إنه يعلم جيداً أن الطيار المصري شجاع ومتميز، والانتصار في الحرب القادمة معلق علينا، وفيما يتعلق بطلبنا طائرات جديدة بمواصفات أعلي قال إن القيادة السياسية (الرئيس جمال عبدالناصر) تتابع هذا الأمر مع الروس.
• هل كانت تلك هي الزيارة الوحيدة قبل حرب أكتوبر 1973؟
-  قبل حرب أكتوبر بستة أشهر، أي في أبريل 1973، زارنا الرئيس السادات مرة أخري، وكان الهدف أيضاً استطلاع الروح المعنوية للطيارين، واطمأن أننا غيّرنا التكتيكات استعداداً للحرب القادمة.
• متي انتقلت إلي سرب المواصلات ومن ثم قيادة الطائرة الرئاسية؟
- كنت في أسراب المقاتلات ثم تم نقلي إلي أسراب المواصلات. وحين قامت حرب أكتوبر كنت مدرساً في الكلية الجوية، وطالبت مع طياري الكلية بالاشتراك في الحرب، وشاركنا بالفعل بضرب العدو في ثغرة الدفرسوار، وبعد الحرب رجعت مرة أخري إلي أسراب المقاتلات، ثم عدت إلي المواصلات، ومنها إلي سرب الشخصيات الهامة، وكان لي الشرف أن أكون طيار الرئيس السادات.
• ما أبرز الطلعات الجوية التي قدت فيها الطائرة مع الرئيس السادات؟
- أول طلعة مهمة مع الرئيس السادات كانت إبان أحداث يناير 1977، وكانت من القاهرة متوجهة إلي إحدي المحافظات. كان يتابع من الجو ما يحدث في الشوارع من شغب، ولا أنسي حين قال بصوت واضح: "الشعب المصري لا يُمكِن يعمل كده.. دول أكيد ناس دخلاء". وطلب مني سكرتير الرئيس التحليق بالطائرة منخفضاً ليطلِّع الرئيس علي حجم الخسائر في الشوارع والميادين.
• مباحثات السلام التي أجراها السادات مع إسرائيل في أسوان بدأت عام 1980.. هل حدثت بينك وبينه أي مواقف أثناء رحلات الذهاب والإياب في الطائرة الرئاسية؟
- كنت أطير مع الرئيس السادات إلي أسوان أثناء مباحثاته مع رئيس الوزراء الإسرائيلي وقتذاك مناحم بيجن، تمهيداً لتوقيع اتفاق سلام بين مصر وإسرائيل، موعد الطلعة من القاهرة يكون في السادسة صباحاً، وما كنت ألمسه بوضوح علي الرئيس أنه كان مبتهجاً وسعيداً، وفي المساء كان يعود مُجهداً، وذات مرة قال للدكتور بطرس غالي وزير الدولة للشؤون الخارجية وقتذاك: "أنا باطلع علشان أحل بعض المشاكل وعلشان مباحثات السلام.. لكن الوفد الإسرائيلي مراوغ جداً.. اللي يتفقوا معايا عليه، ييجو تاني يوم يرجعوا فيه"، وتابع: "إسرائيل لو فاكرة إني ممكن أتنازل عن حبة رمل واحدة من أرض مصر يبقوا بيحلموا".
• طرت برئيس الوزراء الإسرائيلي أرئيل شارون أثناء مفاوضات السلام.. كيف كان هذا اللقاء؟
- أثناء المفاوضات كُلِّفت بأن أقود الطائرة به من القاهرة إلي أسوان والعكس. شارون طلب من مضيف الطائرة الحضور إلي كابينة القيادة، وأنا وافقت في نهاية الطلعة الجوية قرب بحيرة ناصر، وحين وقف خلفنا تحدث إلينا بالإنجليزية قائلاً: "أنتم تملكون جيشاً قوياً.. وقمتم بعمل بطولي في الثغرة"، فرددت عليه: "أنا أحد طياري القوات الجوية المصرية اللي ضربوكم في الثغرة"، وقد ذكر شارون هذا الكلام في كتاب مذكراته صفحة 495.
وأثناء العودة إلي القاهرة طلبت من برج مطار القاهرة أن أزيد الطلعة ولا أهبط مباشرة في القاهرة، وذهبت إلي موقع ثغرة الدفرسوار، وناديت شارون وقلت له: "ده المكان اللي ضربناكم فيه"، فنظر إليّ بضيق وضجر، ولا أنسي أيضاً أثناء الرحلة في الطائرة حين قال لي شارون: "إنتم عندكم رئيس عظيم لأنه النهاردة بيعمل مباحثات سلام وده شيء جميل".
• في زيارة السادات لاستلام سيناء.. ما أكثر شيء لفت انتباهك؟
- كنت قائد الطائرة المصاحبة للوفد المرافق للرئيس السادات. كان ذلك عام 1979. رأيت السادات وهو يصلي وقد دمعت عيناه. سألت السكرتارية الخاصة به عن السبب، فقالوا لي إن هذا الرجل تعب كثيراً أثناء الحرب ومباحثات السلام، واليوم يشعر بالراحة ويصلي وهو سعيد، ودموع عينيه سببها الفرحة.
• هل هناك مسؤولون إسرائيليون آخرون طرت بهم؟
- طرت برئيس إسرائيل الأسبق عيزرا وايزمان من القاهرة إلي تل أبيب عام 1982، لاستكمال مفاوضات السلام من أجل عودة طابا، كنت من بين طاقم الطائرة المصاحب لوايزمان، وفي بداية الرحلة قلت رسالة ترحيب في المايك باللغة الإنجليزية، فجاء ووقف بالقرب من قمرة القيادة وقال لي: "يا كابتن كلمني باللغة العربية.. أنا محب للشعب المصري وللرئيس السادات"، وأضاف: "انتم عندكم زعيم وطني عظيم ومحارب قوي انتصر في الحرب والسلام"، وكان منبهراً جداً بشخصية الرئيس السادات.
• إذاً أنت لمست حب الجميع بمن فيهم قادة إسرائيل للرئيس السادات.
- بالفعل كان هذا واضحاً. الكل كان منبهراً بهذا الرجل العظيم. وليس هذا فحسب. سأحكي لك موقفاً آخر، في عام 1989 كنت ذاهباً في طلعة إلي أمريكا لإجراء صيانة للطائرة الرئاسية ولخضوعي أيضاً لاختبار في معهد "Flight Safety"  لتدريب الطيارين واختبارهم، وهناك التقيت الطيار الأمريكي الذي كان يقوم باختباري، وقال لي إنه قرأ قصة حياة الرئيس الراحل أنور السادات وأضاف: "بالفعل هذا الرجل كان زعيماً وبطلاً للحرب والسلام". سعدت جداً لكلامه هذا، وكانت هناك انتخابات رئاسية في أمريكا في ذلك الوقت، فسألته: "لمن ستعطي صوتك في الانتخابات؟"، فقال لي: "أعطني ورقة وقلماً وسأخبرك"، وحين ناولته القلم والورقة فوجئت بأنه كتب عليها: "الرئيس أنور السادات"!
الأمر ذاته تكرر في عهد الرئيس الأسبق مبارك، وكان هذه المرة مع الرئيس جورج بوش الأب، الذي جاء في زيارة إلي مصر للفُسحة، بعد خروجه من الحكم، حيث كُلِّفت بأن أطير به من القاهرة إلي الأقصر والعودة، وأثناء الرحلة اقترب من قمرة القيادة وقال لي: "أنا طيار مثلك وسعيد بوجودي علي الطائرة التي كانت تقل ذات يوم الزعيم السادات الذي انتصر في الحرب والسلام".
• هل سبق لك أن زرت متحف السادات في قرية ميت أبوالكوم؟
- بمناسبة مئوية السادات قررت أن أزور ميت أبوالكوم، وكتبت إهداءً لروحه مع كتاب "مذكراتي في الحرب والسلام" لأقدمه هدية للمتحف، وأثناء تجولي في القرية التقيت رجلاً عمره تجاوز الثمانين عاماً، وحين علم أنني أريد دخول المتحف، حكي لي قصة جميلة، حيث قال: "في سنة 1980 كان فيه اجتماع للرئيس السادات في بيته بميت أبوالكوم، يحضره بعض الوفود الأجنبية والوزراء والمسؤولون المصريون.. سيدة بسيطة أرادت الدخول لمقابلة الرئيس لكن الحرس منعها، فأصرت علي موقفها وقالت للحرس (أنا اسمي كذا.. أدخل قول للسادات إني عاوزة أقابله)"، ولما علم السادات أمر بدخولها وقبَّل يدها أمام الوفود الأجنبية رغم أنها سيدة فقيرة، وقال لهم إنها قريبته وبمثابة عمته. هذا الموقف يؤكد أنه كان رجلاً متواضعاً وطيب القلب.
• هل كرّمك الرئيس السادات؟
- نعم كرّمني بعد حرب أكتوبر، حيث منحني في 19 فبراير 1974 نوط الشجاعة العسكري من الدرجة الأولي.