حوارات

المفكر القبطي الدكتور مكرم نجيب: احتراف السياسة لا يتعارض مع الروحانية


حســــن عـــــلام
2/4/2019 3:21:04 PM

مادمنا نؤمن أن الله الواحد هو إله العالم الذي يهتم بكل ما هو ديني ودنيوي معا، وبخلاص الإنسان وتحريره من الخطية، ومن الظلم والاستغلال والعبودية، فلا يجب الفصل بين الإيمان وأعمال المحبة التي هي التعبير الصادق عن هذا الإيمان، ولو أخذنا في الاعتبار الأخطار التي تحاصرنا من الداخل والخارج، واسترجعنا الأفكار الكبيرة التي تجسد روح العصر، لأدركنا الحاجة الملحة والمسئولية المشتركة لإعادة تعميق فكرة »المواطنة»‬ في مجتمعنا المتعدد..
بهذه الكلمات بدأ المفكر القبطي المعروف الدكتور القس مكرم نجيب (الأستاذ بكلية اللاهوت الإنجيلية) حديثه »‬لآخر ساعة» عن أهمية المواطنة في إطار العمل الوطني الواحد بغض النظر عن كل الانتماءات الدينية والحزبية، فالانتماء للدين لا يتعارض مع الانتماء للوطن، مؤكدا أنه يخطئ من يظن أن الانشغال بظروف المجتمع السياسية من صفات غير الروحانيين.

> يتصور البعض أن احتراف السياسة يتعارض مع الروحانية، ما رأيك في ذلك؟
- فعلا يتصور البعض أن حياتهم لا تنتمي إلي هذا العالم، وبالتالي يشعرون بالاغتراب في أوطانهم ويغالون في السلبية والانسحاب والانطواء علي أنفسهم، وفي الابتعاد عن الانشغال بقضايا مجتمعاتهم، ظنا منهم أن الانشغال بظروف وحياة المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والمشاركة فيها، من صفات أهل العالم »‬غير الروحانيين».
علي الجانب الآخر نستمع في بعض الأحيان إلي أصوات ونزعات تنظر إلي الإنسان وتصنفه علي أساس ديني، وليس علي أساس المواطنة في إطار العمل الوطني الواحد، ظنا منهم أن الانتماء للدين يتعارض مع الانتماء للوطن.. وهذا غير صحيح من وجهة نظري.
> تري ما صور التعدد المختلفة في المجتمع المصري؟
- يموج المجتمع المصري بصور كثيرة من صور التعدد: فهناك علي سبيل المثال لا الحصر التعدد الجغرافي بين سكان الريف والحضر، والتعدد العمري بين الشباب والشيوخ، والتعدد الطبقي بين الأغنياء والفقراء، والثقافي بين العلمانيين والإسلاميين، والسياسي بين أصحاب نظرية سيطرة الدولة والتنظيم السياسي للأغلبية، وبين أصحاب نظرية التعددية الديمقراطية الذين ينادون بتعديل الدستور، والفصل بين السلطات، وحرية إنشاء الأحزاب السياسية، وتداول السلطة.. إلخ.. والتعدد الاقتصادي بين أنصار حرية السوق والخصخصة، وبين أنصار هيمنة الدولة الاقتصادية والإبقاء علي قطاع الأعمال وترشيده، ووضع قيود علي حرية السوق..
وأخيرا التعدد الديني بين الإسلام والمسيحية علي وجه الخصوص، ولقد عاشت مصر قرونا طويلة في تآلف ومحبة واستقرار عبر عنه الدكتور وليم سليمان قلادة بتعبير: »‬التعددية الوئامية»، والدكتور ميلاد حنا بعبارة: »‬مصر لكل المصريين»، وكتاب آخر له بعنوان: الأعمدة السبعة للشخصية المصرية..
ولكن ابتداء من هزيمة 67 والتي أدت إلي مراجعات شتي، وتحت تأثير عوامل اقتصادية وسياسية وثقافية متنوعة، تصاعد بالتدريج خطاب إسلامي يدعو إلي أسلمة الدولة والمجتمع معا، ومن فترة السبعينيات توالت تداعيات وأخطار كثيرة أزعجت مجتمعاتنا وضغطت بشدة علي عودة الحديث عن »‬المواطنة» لصالح بلدنا العزيز واستقراره وتقدمه، خاصة وسط المتغيرات العديدة الإقليمية والعالمية من حولنا، والتي تدعو من جانب إلي الكوكبية والعولمة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية، ومن جانب آخر إلي إضعاف سلطة الدولة وتفكيك المؤسسات، وإثارة الصراعات الثقافية والعرقية والدينية.
> هل الأديان السماوية وخاصة المسيحية تدعو إلي المواطنة والمساواة في الحقوق والواجبات؟
- عندما جاءت الأديان السماوية واحدا بعد الآخر.. التقت علي محاربة العبودية وكل أنواع التفرقة والمناداة بالقيم الدينية السامية كالحرية والعدالة والمساواة، علي أن الممارسة العملية في أحقاب مختلفة من التاريخ، وفي أماكن متعددة من العالم، أثبتت أنه بالرغم من أن الأديان نفسها نادت بالمفهوم الأشمل والأنبل للمواطنة، إلا أن التطبيقات البشرية، خاصة في عصور التدهور، جعلت البعد الديني يطغي علي مفهوم المواطنة ليصبح جدارا جامدا يحد من حرية الإنسان، بدلا من أن يكون إطارا رحبا يدفع به ومن خلاله إلي تقدم الإنسانية عبر العصور.
> إذن ما مسئولية الإنسان تحديدا أمام خالقه ومجتمعه علي ضوء كلامكم السابق؟
- الإنسان مدعو لأن يقوم بدوره في تنمية مجتمعه وعالمه في إيجابية واضحة، فهو مسئول أمام الله عن العالم ككل، وعن مجتمعه الخاص الذي يعيش فيه، عن الطبيعة والبيئة والحفاظ عليها، واكتشاف القوانين المنظمة لحركتها والعلوم الخاصة بها، والمشاركة في النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية السائدة بهدف الوصول إلي حياة أفضل للناس من حوله.
ونحن نؤمن أن الله الواحد هو إله العالم وسيد التاريخ، كما أنه إله الدين، بمعني أنه الإله الذي يهتم بكل ما هو ديني ودنيوي معا، وبالتالي لا يمكن فصل ما جمعه الله، إنه إله الخليقة وهو أيضا إله العهد والعدالة، الإله الذي يهتم بخلاص الإنسان وتحريره من الخطية، وكذلك من الظلم والاستغلال والعبودية، إن الله إله كامل واحد لا يتجزأ، وعمله عمل كامل شامل لا يتجزأ أيضا، وإن كان هذا هو إيماننا، إذن لا يجب أن نفصل الإيمان عن أعمال المحبة التي هي التعبير الصادق عن هذا الإيمان.
> وهل الكنيسة المصرية تدرك الآن مسئوليتها المجتمعية.. بالإضافة إلي مسئوليتها الروحية؟
- الكنيسة مدعوة الآن لتدرك المتغيرات التي حدثت في العالم عامة، وفي المجتمع المصري خاصة، وأن تدرك من الناحية الأخري رسالتها ودورها كما رأيناها في أصولها وأسسها الكتابية واللاهوتية، وأن تخرج من اغترابها إلي المشاركة الفعالة في هموم وطنها وقضاياه، بديناميكية تعبر فعلا عن وجودها وحيويتها..
تقدم التعليم والتهذيب اللاهوتي الذي يبرز مسئولية الكنيسة نحو مجتمعها، وأن تشجع المسيحيين علي القيام بدورهم، كما ترعي المشتغلين منهم بالسياسة والعمل العام دون توجيههم توجيها سياسيا معينا، بل تثق فيهم وتشجعهم علي الحركة الحرة لصالح وطنهم، وأن تذكر الجميع بإرادة الله نحو العالم، وأن الحكام يجب أن يستخدموا سلطانهم لخير وحرية وكرامة الإنسان والمجتمع.
ومدعوة أيضا إلي تشجيع الأفراد علي متابعة الأحداث التي تجري في المجتمع، والاهتمام بممارسة الحقوق المدنية بكل أشكالها، وأن يشتركوا في التعبير عن الرأي عبر القنوات الشرعية، وأن يعبروا للجميع من المحبة دون اعتبار للاختلافات السياسية أو الحزبية أو الدينية، وأن يراعوا مصلحة المواطنين أمام كل هذه الاختلافات، واختيار أفضل المرشحين دون أي تعصب أو تفرقة.
كذلك علي المسيحيين أن يشاركوا في الأزمات والكوارث مع باقي المواطنين في أي موقع أخير، بما يساعد الجميع علي الخروج من الأزمات، وأن يقدموا قدر الطاقة التعبير العملي لمعني الأخوة والمواطنة.
مدعوة كذلك الكنيسة لدراسة المشكلات الواقعية للبيئة التي تعيش فيها، وأن تساهم بالرأي والتوعية، في طريق حل هذه المشكلات: كالإسكان، والانفجار السكاني، والتنمية، واتجاه السلام، والبطالة، والهجرة، وتلوث البيئة، ومشكلات الفقر، وتفسخ القيم، ورعاية المسنين، وعلوم الأجنة والهندسة الوراثية، وزراعة الأعضاء، وحقوق الإنسان، وقضايا المرأة والطفولة، ومحو الأمية، وتطوير القرية والريف المصري، والإدمان، وبالإجمال كل ما يتعلق بتنمية الإنسان والمجتمع.
> دعوتكم رائعة ولكن كيف تطبقها الكنيسة بفاعلية؟
- يجب أن يكون الجميع فاعلين و»‬إيجابيين» بدون إنكار أو خجل أو خوف، وبدون شكوي أو تذمر، وبدون عقدة نقص أو اضطهاد، وبدون اختباء أو تبني نظرية كبش الفداء، بل أن تقبل نفسها وتقوم بدورها في إيمان واحترام وثقة، وبدون تعصب أو تصلف، ولملء الكيان الحقيقي لا للظهور، ولعطاء الذات للجميع وليس طلبا لسلطة أو امتياز.
ولابد من الاهتمام بنوعية الحياة، وبالكيف المنتج المتميز، وبالسلوك الرشيد المقنع، وبالتواجد الخادم المحب، وبالرؤية الواضحة الواعية، وبقراءة علامات الأزمنة وحتميات المكان بعين مفتوحة وحركة مرنة.. هذه هي الفاعلية التي ننادي بها، والتي تتحمل مسئولية ومخاطرة الإيمان والمحبة في مشاركتها النشطة في مجتمعها، ولابد من دعوة للمجتمع أن يرتفع بقيادة النخبة المسئولة والمفكرة والإدارات المختلفة، إلي مستوي التوجه الذي تتطلبه هذه المرحلة الهامة من تاريخنا، وأن تدفع المجتمع إلي إزالة جميع العقبات والقيود التي تعرقل حركة المشاركة النشطة للجميع.
وأن تصوغ طريقة تفكير جديدة تناسب انطلاقتنا المرجوة، تقبل فعلا التعدد والتنوع، وتنسجم مع الآخر كما تتصالح مع الذات، وتعلي قدر القيم الدينية السامية والإيجابية التي هي حصن وسور الأمان والأمن للجميع، وأن تعمق مفهوم المواطنة بمعني المساواة والحرية والمشاركة للكل، كما تنادي بالتكامل والتعاون والانفتاح علي الأديان والحضارات للإثراء والإبداع، وأن تبتعد عن أي اتجاه يمثل خطرا علي وحدة الوطن ونسيج المجتمع المصري الواحد.