شئون خارجية

ترامب.. العامل التاريخي الأهم في هدم الديمقراطية الغربية


محمـد عبدالفتاح
1/23/2018 10:14:46 AM

مع كل سقطة لدونالد ترامب، هناك علي الأقل اثنان من نظرائه يحتفلان هما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني »تشي جينج بينج»‬، إذ إن الأمريكي، ومنذ وصوله إلي البيت الأبيض، بطل لا ينازعه أحد فيما يخص تشويه صورة الديمقراطية الليبرالية.

كلماته الأخيرة عن هاييتي والسلفادور والقارة الأفريقية ووصفه إياهم بأنهم "بلدان الحثالة والقاذورات"، كان لها الكثير من الصدي في موسكو وبكين. علماً بأن لتلك الدول رعايا مهاجرين إلي الولايات المتحدة ويحملون جنسيتها، بل ويحتل كثير منهم مكانة مرموقة في المجتمع الأمريكي.
الروس والصينيون، علي السواء، يخوضون معركة أيدولوجية للدفاع عن الاستبداد السياسي.. معركة يخوضونها بعزم في أروقة الأمم المتحدة ومن خلال وسائل الإعلام الرسمي ضد كل ما هو علي شاكلة الديمقراطية الغربية.. معركة هدفها إرساء شرعية كل الحكومات التي ينظر إليها الغرب علي أنها مستبدة، وكذلك إيجاد نسخ مختلفة لترجمة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولهم في ذلك رسالة واضحة: رؤيتنا للأمور تضاهي رؤيتكم، وقيمكم لا يتبناها العالم أجمع.
رسالة وسائل الإعلام في موسكو وبكين علي مدار الأيام الماضية، هي أن ديمقراطية الغرب ليست سوي نفاق منحط، وبفعل ماضيه الاستعماري القائم علي نهب ثروات شعوب العالم الثالث، فإنه لا يجد مزيداً من الدروس كي يعطيها لأحد.
المؤرخ الأمريكي خوان كول قال لصحيفة نيويورك تايمز إن الإيرانيين أيضاً دخلوا علي الخط، وتوحد خطاب وسائل الإعلام الروسية والصينية والإيرانية، الناطقة بالعربية وتلك الناطقة بالإنجليزية والفرنسية والموجهة لآسيا وأفريقيا، للتركيز علي فكرة أن الرئيس الأمريكي، وبعد مرور عام علي توليه السلطة، كشف عن وجهه العنصري المقيت. ويري كول أن ترامب يعمل لصالح كل من يزدري الديمقراطية الغربية، وأن سلوكه اليومي يهددها ويجعل رصيدها يتآكل، كما أن الرئيس الخامس والأربعين في التاريخ الأمريكي، يهاجم وينتقد مؤسسات الدولة التي يترأسها بشكل شبه يومي تقريبا، وبشكل ينزع عنها شرعيتها، إضافة إلي أن يمارس الكذب بشكل جعل منه نمطاً حكومياً.. باختصار يمكن القول إن ترامب هو من يضع العقبات في طريق كل من يدافع عن نمط الديمقراطية علي الساحة الدولية.
في هذا الاتجاه، فإن ترامب أصبح شخصية تاريخية في لحظة تعاني فيها بالفعل الديمقراطيات الغربية، بل إنها خسرت بالفعل الكثير من الأرض علي مدار السنوات الماضية، ويعزز نموذج ترامب فرصاً لمزيد من الخسارة. وعشية سقوط جدار برلين عام 1989، أصبحت الديمقراطية الليبرالية ومعها مفاهيم السوق الحر أفقاً سياسياً لا مفر منه، ولحقت بركبه دول المعسكر الشيوعي السابق الواحدة تلو الأخري. غير أن تلك الديمقراطية تنكرت لمبادئها أكثر من مرة، لا سيما حينما دهست الولايات المتحدة كل القوانين والمواثيق الدولية وغزت بجحافلها العراق عام 2003 تحت أكذوبة امتلاك بغداد أسلحة دمار شامل، واتضح جلياً فيما بعد أن الغزو كان بهدف نهب ثروات العراق البترولية والأثرية، وهي الجريمة التي شاركتها فيها بريطانيا وعدة دول غربية تتشدق بنفس قيم الديمقراطية الليبرالية. كما يمكن القول إن الأزمة المالية ــ الاقتصادية المزدوجة التي ضربت العالم عام 2008 كانت سبباً في فقدان مفاهيم السوق الحر العديد من الأنصار، وتحولت عدة دول بشكل أو بآخر إلي أنظمة حكم ذات طابع استبدادي.
المتابع للكتَّاب الأمريكيين يجد حالة من القلق بشأن القيم التي تتبناها الولايات المتحدة ومعظم الدول الغربية، ويردد معظمهم سؤالاً مفاده: "هل انتهي زمن الديمقراطية الليبرالية؟". إذ كتب دافيد بروكس علي صفحات النيويورك تايمز في الرابع عشر من يناير الجاري مقالاً بعنوان:" كيف تلقي الديمقراطيات حتفها؟"، وفي اليوم التالي كتب روس دوثات مقالاً في نفس الاتجاه بعنوان:" هل هناك حياة أخري بعد الليبرالية؟". وفي الوقت نفسه، هناك من يري أن الصورة ليست قاتمة إلي هذا الحد، والدليل علي ذلك هو تحول بلدين أوربيين، كانا "مخطوفين من قبل الاتحاد السوفيتي"، علي حد وصف الكاتب ميلان كونديرا، وهما المجر وبولندا، إلي معسكر الديمقراطية الغربية بعد لحاقهما بقطار الاتحاد الأوروبي، ولكن الكاتب والباحث جاك روبينك يرد علي هذا الكلام بالقول، "إن الديمقراطية علي النمط الغربي تعني انتخابات حرة وسوقا حرا ودولة قانون.. وفي بودابست كما في وارسو فإن دولة القانون تتفكك، وهو ما يعني أن الاتحاد الأوربي نفسه أصبح مصاباً بنفس ما أصاب أمريكا ترامب".
مفهوم الديمقراطية الليبرالية، ذلك المصطلح الذي يعود للصحفي الأمريكي فريد زكريا، يبدو بسيطاً: الفريق الفائز بالانتخابات يحصل علي كل شيء في الدولة.. الإدارة العليا، والقضاء، والمحكمة الدستورية، والشرطة، ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة، وبالعودة مرة أخري إلي ما كتبه جاك روبينك، فإنه يعلق علي هذا المبدأ قائلاً: "ولكن الانحراف السلطوي استولي علي مبدأ الفصل بين السلطات، وعلي استقلالية الإعلام، وعلي الحيادية السياسية للمؤسسات العامة". ويُضاف إلي ذلك أن وسطاء مُخيفين دخلوا في قلب اللعبة السياسية، وباتت لعبة التوازنات بين السلطة ومناوئيها هي المسيطر علي المشهد، وليس الصالح العام، وتعرض الحامض النووي للديمقراطية الليبرالية لهجمات عنيفة في المجر بعهد فيكتور أوربان رئيس الوزراء الحالي، وكذلك في بولندا بعهد جاروسلو كاتشينسكي، ووفقاً لجاك روبينك فقد "أصبحتا أقرب إلي تركيا الواقعة تحت استبداد أردوغان". ويُذكر جاك روبينك بتصريح هام للغاية لفيكتور أوربان، حينما تم الإعلان عن فوز دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة الأمريكية منذ عام وشهرين تقريبا حيث صرح بفرحة طاغية: "اليوم انتهت الليبرالية غير الديمقراطية إلي غير رجعة.. يا له من يوم.. يا له من يوم.. يا له من يوم". ويوضح روبينك:" هكذا احتفي أوربان بفوز ترامب الذي دعا غير مرة في أثناء حملته الانتخابية إلي تفكيك الاتحاد الأوروبي".
ولشرح لماذا هذا الانحدار في الديمقراطية الليبرالية، فإن الأسباب هي نفسها التي يتم ذكرها عبر ضفتي الأطلسي: الهجرة، والشعور بفرض نمط متعدد الثقافات علي حساب الهوية الوطنية، وتنامي حالة اللامساواة، والفوضي التكنولوجية، وانعدام مصطلح المصلحة الجماعية، والإغراق في المفاهيم الفردية.. ولكن يبقي العامل الأهم، وفقاً لكثير من الكتاب الأمريكيين، هو رغبة دونالد ترامب في القضاء علي هذا النموذج الغربي.