شئون خارجية

صراع «ترامب - أجهزة الأمن» يدخل نفق »أزمة دستورية«


الرئيـس الأمريكــــــــي دونـالد ترامـب

الرئيـس الأمريكــــــــي دونـالد ترامـب

محمد عبدالفتاح
2/6/2018 11:29:29 AM

معركة شرسة، كانت حتي أيام قليلة ماضية صامتة، ليست لها سابقة حدوث في الولايات المتحدة الأمريكية.. معركة بين الرئيس دونالد ترامب، وجهات تحقيق وإنفاذ القانون.. معركة شهدت تطوراً نوعياً بتصديق ترامب علي نشر مذكرة سرية، أعدها مشرعون جمهوريون في مجلس النواب برئاسة ديفيد نونيز، وتدين المباحث الفيدرالية "إف بي آي"، وتشكك في مصداقيتها ونواياها فيما يخص التحقيق حول احتمالية تدخل المخابرات الروسية في انتخابات الرئاسة التي جرت أواخر عام2016، لصالح ترامب ضد منافسته هيلاري كلينتون المنتمية للحزب الديموقراطي، كما قالت الوثيقة إن "إف بي آي" و"وزارة العدل تحيزتا ضد الرئيس".

الجمهوريون دافعوا عن نشر الوثيقة باسم الشفافية رغم اعتراضات وزارة الدفاع و"إف بي آي"، نظراً لما تضمه من معلومات أمنية حساسة عن طرق مكافحة التجسس، فيما أدان الديموقراطيون نشر الوثيقة، منددين بمحاولة للتأثير علي سير التحقيقات التي يجريها المحقق الخاص روبرت مولر.
 المذكرة تتهم مكتب التحقيقات الاتحادي ووزارة العدل بتضليل قاض في محكمة مختصة بإصدار تصاريح لعمليات التنصت في مارس 2017 لدي سعي الجهتين لاستصدار تصريح بالتنصت علي كارتر بيج مستشار حملة ترامب وتقول إن الطلب اعتمد علي مصدر متحيز. وقال ترامب للصحفيين إن مضمون المذكرة يروي قصة مخزية وإن "الكثير من الأشخاص عليهم أن يخجلوا". وكتب ترامب علي تويتر "قامت قيادات ومحققو مكتب التحقيقات الاتحادي ووزارة العدل بتسييس عملية التحقيق المقدسة لصالح الديمقراطيين وضد الجمهوريين - وهو أمر لم يكن ليخطر علي بال أحد قبل فترة وجيزة". بينما وصف ديمقراطيون المذكرة بأنها "جهد مشين لنزع المصداقية" عن مكتب التحقيقات الاتحادي ووزارة العدل وتحقيق اتحادي في التدخل الروسي في الانتخابات.
وقالوا في بيان "النشر الانتقائي وتسييس معلومات سرية يمثل سابقة مروعة ستلحق ضررا طويل الأمد بأجهزة المخابرات وجهات إنفاذ القانون". ويقول الديمقراطيون إن المذكرة مضللة وتستخدم علي نحو انتقائي مواد شديدة السرية في مسعي لتشويه تحقيق مولر، وهو ما يدفع للاعتقاد بأن ترامب يتربص بمولر ويريد إقالته، لا سيما أنه في حكم المؤكد أن الرئيس الأمريكي سوف يخضع للاستجواب تحت القسم خلال بضعة أسابيع وربما أيام.
 وأشاروا إلي أنهم يأملون في نشر مذكرتهم التي ترد علي مزاعم المذكرة الجمهورية في الخامس من فبراير 2017. أما مكتب التحقيقات الاتحادي فقد عبر عن "قلقه العميق من طمس الحقائق" في مذكرة الجمهوريين وقال إنها يجب ألا تنشر وذلك في توبيخ علني نادر للرئيس والجمهوريين الذين سعوا لنشر المذكرة.
مساندة مولر
 وزارة العدل دخلت خط المواجهة بإعلان مساندة مولر في مواجهة دعوي قضائية أقامها ضده بول مانافورت المدير السابق لحملة ترامب ودفعت بوجوب إسقاط القضية، وأقام مانافورت الدعوي ضد مولر في الثالث من يناير قائلاً إن التحقيق الذي يجريه مكتبه في احتمال وجود تواطؤ بين حملة ترامب الانتخابية وروسيا في الانتخابات الرئاسية في 2016 يتجاوز صلاحياته القضائية.. الدعوي القضائية المدنية اتهمت نائب وزير العدل رود روزنشتاين، الذي عين مولر، بتجاوز صلاحياته القضائية "لمنح السيد مولر تفويضا مطلقا في التحقيق وتوجيه الاتهامات الجنائية التي تتعلق بأي أمر يصادفه". وقالت وزارة العدل في ردها علي المحكمة إن "تلك الادعاءات لا تقوم علي أسس موضوعية.. تحقيق المحقق الخاص وعمل الادعاء فيه قانوني بالكامل". وأضافت الوزارة أن تلك الدعوي يجب أن تسقط.
وكان مكتب مولر قد وجه، في أكتوبر الماضي، لمانافورت وشريكه في الأعمال ريك جيتس اتهامات تشمل الضلوع في غسيل أموال والتآمر ضد الولايات المتحدة وعدم تسجيل صفة وكيل لجهة أجنبية أثناء العمل مع حكومة أوكرانية سابقة كانت موالية لروسيا. ويبدو أن مولر يحقق أيضاً في أي محاولات لعرقلة التحقيق، بما في ذلك قيام الرئيس ترامب بإقالة جيمس كومي مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق يوم العاشر من مايو 2017، فيما بدا آنذاك تحركاً صادماً مفاجئاً يدفعه خوف ترامب من أن يكشف كومي شيئاً ما.
ودافع أفراد من مكتب التحقيقات الفيدرالي عن عملهم بالقول إنهم "لم ولن يسمحوا للسياسة الحزبية بأن تحرفهم" عن مهمتهم. وقال رئيس رابطة العاملين في "إف.بي.آي" في بيان بعد نشر المذكرة "علي الشعب الأمريكي أن يعرف أن خدمتهم متواصلة من أعظم جهاز لإنفاذ القانون في العالم".
كما عبر مكتب التحقيقات الاتحادي عن "قلقه العميق من طمس الحقائق" في مذكرة الجمهوريين التي يعتقد أنها قد تؤدي لاستقالات علي مستوي رفيع في أجهزة الأمن الأمريكية في الأيام المقبلة. وتولي كريستوفر راي منصب مدير مكتب التحقيقات الاتحادي بعدما عزل الرئيس سلفه جيمس كومي. وثارت تكهنات بأن راي قد يستقيل إذا سمح ترامب بنشر المذكرة. ودعمت رابطة تمثل عملاء مكتب التحقيقات الاتحادي موقف راي.
انهيار الضوابط
الانتقادات التي طالت ترامب صدرت حتي من حزبه الجمهوري، حيث أصدر جون كيسيك، حاكم أوهايو والمنافس السابق لترامب في الانتخابات التمهيدية للترشح للرئاسة، بيانا وصف فيه الإفراج عن الوثيقة بأنه "خدمة سيئة لبلدنا". وردا علي سؤال لأحد الصحفيين بشأن ما إذا كانت المذكرة زادت احتمالات إقدامه علي إقالة روزنشتاين أو ما إذا كانت لديه الثقة فيه، قال ترامب "استنتج أنت ذلك بنفسك".
أما ليون بانيتا، مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية "سي آي إيه" السابق، فقال إن الرئيس ترامب، يجازف بإحداث "أزمة دستورية" من خلال دفعه لنشر المذكرة موضع الجدل.. وأضاف بانيتا، في تصريحات نقلتها صحيفة "ذا هيل" الأمريكية، علي نسختها الإلكترونية، أنه يخشي أن يكون نظام الضوابط والتوازنات في الحكومة الفيدرالية آخذاً في الانهيار، وأوضح بانيتا، أنه حين يبدأ نظام الضوابط والتوازنات في الانهيار، وحين ينشر ترامب المذكرة بغض النظر عما يقوله "إف بي آي" أو وزارة العدل الأمريكية، فإن "ذلك يخلق أزمة دستورية".
فحوي المذكرة
تدعي المذكرة أن مكتب التحقيقات الاتحادي أخفي علاقات الديمقراطيين بمصدر استخدمه المكتب لتبرير مراقبة كارتر بيج مستشار حملة ترامب السابق، والذي كانت له صلات بروسيا. وكشفت المذكرة أسماء مسؤولين كبار بمكتب التحقيقات الاتحادي ووزارة العدل بينهم روزنشتاين قالت إنهم أقروا المراقبة.
وصدرت المذكرة بناء علي طلب نيونيز الرئيس الجمهوري للجنة المخابرات بمجلس النواب. وقال إنها تكشف عن "انتهاكات خطيرة لثقة المواطنين وإن من حق الشعب الأمريكي أن يعرف عندما يستخدم المسؤولون في المؤسسات الهامة سلطتهم علي نحو سيِّئ لأغراض سياسية".
وقاد تحقيق مولر حتي الآن إلي اعتراف اثنين من مستشاري ترامب في مجال السياسة الخارجية بالكذب علي مكتب التحقيقات الاتحادي وتوجيه اتهامات للمدير السابق للحملة بول مانافورت وشريكه التجاري ريك جيتس.
وركزت مذكرة الجمهوريين علي مراقبة بيج بموافقة المحكمة وقالت إن مكتب التحقيقات الاتحادي استخدم مصدرا منحازا بشدة ضد ترامب وهو الجاسوس البريطاني السابق كريستوفر ستيل لتبرير الإجراء. وزعمت أن ملفا أعده ستيل عن اتصالات ترامب المزعومة مع روسيا وساهم في تمويله ديمقراطيون يشكل "جزءا أساسيا" لطلبات قدمت لمحكمة خاصة للسماح بالتنصت علي بيج والذي بدأ في أكتوبر 2016. ورغم الاتهامات التي وردت في المذكرة فإن ملف ستيل لم يكن الأساس للتركيز علي بيج أو لتحقيق مكتب التحقيقات الاتحادي.
وتقول مصادر مطلعة لوكالة أسوشيتد برس، إن اهتمام مكتب التحقيقات الاتحادي بدأ ينصب علي بيج في أوائل عام 2013 عندما اجتمع في نيويورك مع روس كانوا ضباطاً في جهاز المخابرات التابع للكرملين. وتقر المذكرة بأن تحقيق مكتب التحقيقات الاتحادي في مجال مكافحة التجسس بدأ في يوليو 2016 أي قبل ثلاثة أشهر من الطلب الخاص بالتنصت علي بيج نتيجة أنشطة مساعد آخر في حملة ترامب هو جورج بابادوبلوس. وقال ستيف فلاديك أستاذ القانون الدستوري بجامعة تكساس في أوستن إنه لأمر لم يسبق له مثيل للرئيس أن يتنازع علنا مع قادة وكالات المخابرات الأمريكية. وأضاف: "تستطيع أن تلحق بهذه المؤسسات ضررا علي المدي الطويل إذا أقنعت قطاعا كبيرا من المواطنين الأمريكيين بأنه لا يمكن الوثوق فيها".