شئون خارجية

كيف انتصرت سوريا دبلوماسيا في معركة الغوطة الشرقية؟


محمد عبد الفتاح
3/6/2018 2:30:22 PM

فيما يمكن وصفه بأم المعارك.. تدور حرب طاحنة في الغوطة الشرقية تلك الضاحية  الواقعة في ريف دمشق،  وكان عدد سكانها قبل بداية الحرب الأهلية أكثر من مليوني نسمة، فيما يقطنها حاليا 400 ألف شخص فقط .. هناك تبقي جماعات مسلحة مصنفة دوليا علي أنها إرهابية، علي شاكلة داعش والنصرة وجبهة أحرار الشام، تصر علي التمترس بين المدنيين، فيما يؤكد الجيش العربي السوري وحلفاؤه الروس والإيرانيون، أن العملية العسكرية في الغوطة الشرقية، تهدف في الأساس إلي تحصين العاصمة  دمشق وتوفير الأمان لحوالي خمسة ملايين مدني سوري يقيمون فيها، ومن المتوقع أن تشكل العملية منعطفاً جديداً في الحرب الأهلية المستعرة منذ عام 2011، إذ يبدو أن تحرير الغوطة الشرقية من المسلحين يحظي بالأولوية الآن بعد أن قام الجيش السوري بتطهير المناطق الرئيسية في سوريا من الجماعات الإرهابية.

ما يمكن ملاحظته بوضوح خلال الأيام الماضية، ما حققته سوريا من انتصارات دبلوماسية علي خصومها في المحافل الدولية، لا سيما أن البعض ممن يتشدقون بالحرية وحقوق الإنسان نسي ما ارتكبه من جرائم في الماضي القريب والحديث هنا عن الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا تحديدا.. الشريكان في جريمة غزو العراق ونهب ثرواته متذرعتان بالكذبة الأكبر في التاريخ وهي امتلاك بغداد لأسلحة دمار شامل، ففي جلسة مجلس الأمن المنعقدة بتاريخ 24 فبراير 2018، هددت المندوبة الأمريكية نيكي هايلي سوريا بعمل عسكري علي اعتبار أن هناك مدنيين يلقون حتفهم في غارات الطيران التي تشنها الطائرات السورية، وبكل هدوء ورصانة وجّه إليها المندوب السوري الدكتور بشار الجعفري تهديداً مباشراً متوعداً بضرب القوات الأمريكية الغازية والانتصار عليها في سوريا.. تهديدٌ يكاد يكون إعلاناً لسقوط الهيبة الأمريكية وأوهام القطب الواحد. وحينما تحدث المندوب البريطاني عن "مجازر بحق الإنسانية يرتكبها النظام السوري"، رد عليه الجعفري بهدوء " يبدو أن زميلي البريطاني لم ير ولم يقرأ ما فعلته بلاده التي قتلت مليون مدني في حربها علي العراق عام 2003، ليعرف المعني الحقيقي للمجازر"،  وبشكل غير مباشر، وصف الجعفري أعداء سوريا في مجلس الأمن بـ "جوقة المنافقين"، ملقياً بكلامه تجاه المندوبة الأمريكية، ومقتبساً عن الروائي الروسي العالمي فيودور دوستويوفسكي: "اطمئنوا الجحيم يتسع للجميع.. الأمرُ لا يستحق كل هذه المنافسةِ الشرسة بينكم علي من سيكون الأسوأ".
الهدنة الروسية
لم تسفر الهدنة الإنسانية التي أعلنت عنها روسيا، وكذلك قرار مجلس الأمن الدولي الذي تم تبنيه مؤخرا والذي يقضي بوقف الأعمال العدائية لمدة 30 يوما، عن تحقيق أي تقدم، وفقا لمحللين سوريين.
وقال ماهر إحسان، الخبير السياسي لوكالة أنباء "شينخوا" الصينية الناطقة بالإنجليزية، إن قرار مجلس الأمن والهدنة الإنسانية التي تدعمها روسيا نجحا حتي الآن في الحد من العنف بشكل طفيف، مضيفا أنه بمجرد انتهاء فترة التوقف التي تستغرق خمس ساعات تطلق الجماعات المسلحة قذائف الهاون علي دمشق ويستمر القصف علي الغوطة الشرقية.
ومع الأزمة الإنسانية المتفاقمة، فقد فشلت كل محاولات  إخراج أي مدني من داخل الغوطة الشرقية، رغم الاستعدادات اللوجستية التي قدمتها الحكومة السورية من سيارات الإسعاف وحافلات لنقل المدنيين من داخل تلك المنطقة الساخنة، وفي ظل إدخال المساعدات الإنسانية إلي حوالي 400 ألف شخص هناك. وأفادت قناة "الإخبارية السورية" التليفزيونية المقربة من الحكومة السورية أن مسلحين من "جيش الإسلام" منعوا 300 شخص من مغادرة الغوطة الشرقية من خلال الممر الإنساني في منطقة مخيم الوافدين شمال شرقي دمشق.
غير أن مدنيين، رجل باكستاني وزوجته، تمكنا من المغادرة، في اليوم الثاني من الهدنة إلي السفارة الباكستانية في دمشق بعد اتصالات بين الأطراف المعنية، بحسب مصدر عسكري لوكالة أنباء "شينخوا" بدمشق.
الحل المعقول
ويظل الحل الأكثر معقولية من وجهة نظر المراقبين هو مغادرة المسلحين، حيث إن العملية العسكرية الواسعة النطاق في تلك المنطقة المكتظة بالسكان يمكن أن تؤدي إلي خسائر فادحة في صفوف المدنيين. وتهدف العملية العسكرية المخططة أساسا إلي القضاء علي الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة المستبعدة من أي وقف لإطلاق النار. وقللت المبادرات الأخيرة علي ما يبدو من تساقط قذائف الهاون التي يطلقها مقاتلو المعارضة المسلحة علي الأحياء السكنية في العاصمة دمشق، وكذلك من الغارات الجوية السورية.
البداية
في عام 2011 دخلت بعض الجماعات، المصنفة دوليا علي أنها إرهابية، إلي الغوطة الشرقية ، وبسط تنظيما "جبهة النصرة" و"جيش الإسلام" سيطرتهما علي المدينة. وفي أواخر 2015 بدأ الجيش السوري هجوما علي الغوطة الشرقية، وفي نهاية 2016 انتهت المعارك كافة هناك.
وأدرجت الغوطة الشرقية علي قائمة مناطق خفض التصعيد الأربع، وذلك بموجب الاتفاق الذي تم التوصل إليه من قبل الدول الضامنة للهدنة في سوريا، وهي روسيا وإيران وتركيا، أثناء مفاوضات أستانا في مايو 2017.
 الوضع في  2018
ورغم استمرار محاولات خفض التصعيد في الغوطة الشرقية بقيت المنطقة علي حافة الكارثة الإنسانية.
وفي 14 فبراير دخلت الغوطة الشرقية قافلة لمنظمة الأمم المتحدة ومنظمة الهلال الأحمر السوري محملة بالمساعدات الإنسانية. وأفادت الأمم المتحدة آنذاك بوجود عجز جدي للمواد الغذائية والأدوية في المنطقة إضافة إلي تفشي أمراض معدية هناك.
 كيف تفاقم الوضع؟       
مع مطلع فبراير الماضي بدأ مسلحو "جبهة النصرة" استفزازاتهم في المنطقة، حيث كثفوا القصف علي مناطق سكنية بدمشق. وأفادت الأمم المتحدة بوجود تقارير حول مصرع مدنيين في الغوطة الشرقية بينهم أطفال ونساء، إضافة إلي سقوط ضحايا نتيجة استهداف أحياء سكنية في دمشق بواسطة قذائف هاون.
كيف ردت دمشق؟
وأفادت رويترز استنادا إلي وكالة سانا بأن القوات الحكومية بدأت بتوجيه ضربات إلي مواقع الجماعات الإرهابية في الغوطة الشرقية. وبحسب التقارير فإن المعارك أدت إلي تدمير عدد من المستشفيات وسقوط قتلي وجرحي، ووفق الأمم المتحدة فإن أكثر من 100 شخص بينهم 13 طفلا لقوا مصرعهم في 19 فبراير.
الأهمية الاستراتيجية
الانتصار السوري الملموس في أروقة المنظمة الأممية أدي إلي غياب التصعيد في مواقف بعض العواصم الغربية مثل واشنطن وباريس ولندن، بل وحتي الأمم المتحدة. ورغم أن هذه الدول والجهات حاولت كعادتها العزف علي الوتر الإنساني لتبرير مواقفها الرافضة لتحرير غوطة دمشق من جماعات مسلحة بعضها مصنف علي قائمة الإرهاب الدولي مثل "هيئة تحرير الشام"، فقد كان من الواضح أن السبب الرئيسي وراء استنفار هذه الدول ضد تحرير الغوطة، يكمن في خشيتها من أن يؤدي نجاح الجيش السوري في السيطرة علي الغوطة أو علي الأقل تحييد خطرها وتهديدها، إلي إجهاض الخطة الخماسية التي وضعتها تلك الدول. وتقضي الخطة بفرض شروط سياسية ودستورية تؤدي في النهاية إلي تغيير النظام السوري. إذ تدرك هذه الدول أن الخطة التي وضعتها تتطلب لإنجاحها وجودَ معادلاتٍ ميدانيةٍ تتيح ممارسةَ ضغوط علي العاصمة دمشق، وبالتالي فإن إغلاق ملف الغوطة سواء عسكرياً أو سياسياً سيحرمها من هذه الإمكانية ويجعل من خطتها غير قابلة للتطبيق.
وقد يكون ثمة سبب خفيّ وراء صراخ بعض العواصم ضد عملية الغوطة الشرقية، هو التأثير الإسرائيلي. إذ ستكون إسرائيل من أكثر الأطراف تضرراً جراء تحرير الغوطة الشرقية من "الإرهاب" وما يستتبعه ذلك من تعميق حالة الأمان في محيط العاصمة دمشق، لأنها تدرك أن أي انفراج عسكري لمصلحة الجيش السوري في أي منطقة من المناطق السورية ستكون لها منعكسات سلبية ضدها خاصة في ظل تصاعد التوتر بينها وبين سوريا وإيران، بعد مواجهة العاشر من فبراير التي أفضت إلي تغيير قواعد الاشتباك جراء إسقاط الطائرة الإسرائيلية "إف16" بالدفاعات الجوية السورية. وقد أقرّت الصحافة الإسرائيلية، وتحديدا صحيفة هآرتس، بأن هذه التطورات إضافة إلي توجه الجيش السوري نحو الغوطة، قد دفعا بتل أبيب إلي تغيير سياساته والعمل علي زيادة دعمه لأكثر من عشرة فصائل من فصائل الجنوب السوري.
وفي هذا السياق تدل المؤشرات علي مدي الأهمية الاستراتيجية لمعركة الغوطة، أن بعض الدول وعلي رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، واظبت علي تبرير تدخلها في سوريا بمحاولة تضييق ما تسميه "النفوذ الإيراني"، وعليه تبدي هذه الدول اهتماماً خاصاً بالممر البري الذي بات يربط طهران بكل من العراق وسوريا ولبنان.
وانسياقاً وراء هذا المنطق، فإن معركة الغوطة ستؤدي ضمن نتائجها، إلي إنهاء أي خطر في محيط مطار دمشق الدولي والطريق الذي يربطه عبر القلمون الغربي مع بيروت. فالحملة الإعلامية للدول السابقة تظهر مطار دمشق ومحيطه كمركز نفوذ إيراني يُستخدم لنقل المساعدات الإيرانية إلي حزب الله، ما يدل علي مدي أهمية معركة الغوطة لاسيما في إجهاض السياسات الأمريكية والإسرائيلية، وبالتالي يمكننا أن نتفهم سبب مطالبة بعض الدول بوقف عملية الجيش والإصرار علي فرض هدنة في تلك المنطقة.
وبعيداً عن التحريض الإعلامي في الشأن الإنساني، فإن الجيش السوري مدعوماً بموقف روسي مؤيد، يملك حججاً قوية لبدء أي عملية عسكرية في الغوطة أهمها أن فصائل الغوطة لم تستطع الالتزام ببنود اتفاق خفض التصعيد الذي ينص علي ضرورة ترحيل "جبهة النصرة" خلال شهر من تاريخ الاتفاق الموقع في شهر أغسطس 2017. كما أن هذه الفصائل وعلي رأسها "أحرار الشام" و"هيئة تحرير الشام" التي تشكل "جبهة النصرة" عمودها الفقري، عمدت منذ حوالي ثلاثة أشهر إلي التصعيد العسكري ومحاولة السيطرة علي مبني إدارة المركبات في الغوطة الشرقية. هذا علاوة علي موقف دمشق المبدئي بأن اتفاقات خفض التصعيد هي اتفاقات مؤقتة ولا تلغي "حق الدولة السورية في استرجاع سيطرتها علي كافة الأراضي السورية" كما صرح وزير الخارجية وليد المعلم أمام مجلس الشعب السوري في ديسمبر الماضي.