شئون خارجية

بوتين يخطو نحو ربع قرن في السلطة


بوتين يدلي بصوته

بوتين يدلي بصوته

محمد عبدالفتاح
3/20/2018 12:49:44 PM

إبان ثورة يناير، جمعتني الصدفة بصحفية روسية شابة.. سألتها عن رأيها في فلاديمير بوتين، فأجابت: »أنا لا أحب هذا الرجل.. لمرة واحدة جلست في مواجهته بمؤتمر صحفي، ولم أستطع النظر في عينيه مباشرةً.. نظراته تنفذ إلي أعماقك وأكاد أقسم أنه يستطيع قراءة أفكارك، ولكن لا يمكن أن أتخيل روسيا بدونه، أنا علي ثقة أنه سيبقي رئيساً مادام حياً.. نحن دولة بحجم قارة.. 83 كياناً اتحادياً.. و160 جماعة عرقية.. نتحدث 100 لغة، ونجاور 14 دولة. وحده رجل قوي يستطيع إقناع وإجبار هذا الخليط علي العيش معاً»‬.. لا جديد إذاً فوق ثلوج موسكو الباردة.. القيصر بوتين مستمر رئيساً لروسيا الاتحادية كما تمني وتوقع وأراد كثيرون في عموم البلاد.

استطلاع لآراء الناخبين لدي خروجهم من مراكز الاقتراع أظهر أن بوتين حصل علي 73.9٪ من الأصوات. وقال الاستطلاع الذي أجراه معهد (في.تي.إس.آي.أو.إم) إن بافل جرودينين أقرب منافسي بوتين حل في المرتبة الثانية وحصل علي 11.2٪ من الأصوات. وأضاف الاستطلاع أن فلاديمير جيرينوفسكي زعيم الحزب الديمقراطي الحر جاء في المرتبة الثالثة وحصل علي 6.7٪ من الأصوات بينما جاءت كسينيا سوبتشاك في المركز الرابع بحصولها علي 2.5٪ من الأصوات.
وبتولي بوتين فترة جديدة سيكون قد أمضي في السلطة نحو 25 سنة ليصبح ثاني أطول زعماء الكرملين بقاء في الحكم بعد الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين. وينسب ناخبون كثيرون لبوتين، ضابط المخابرات السابق البالغ من العمر 65 عاما، الفضل في الدفاع عن مصالح روسيا في عالم خارجي معادٍ حتي وإن كان الثمن هو المواجهة مع الغرب أعادت للأذهان الحرب الباردة، ولكنها أعادت للعالم أيضاً قطبه المفقود بانهيار سور برلين عام 1989، والكتلة السوفيتية عام 1991.
ألكسندر كيريوخين (79 عاما) الذي يسكن مدينة سيمفروبول بمنطقة القرم، قال "أعطيت صوتي لمحررنا بوتين"، وضمت روسيا المنطقة من أوكرانيا في 2014 وهو ما نددت به الحكومات الغربية لكنه أثار إعجاب كثير من الروس. وأضاف كيريوخين "لقد نظم حياتنا ولا يمكن لدولتنا الاستغناء عنه". ويزعم خصوم بوتين أن المسؤولين حاولوا تضخيم حجم الإقبال، عن طريق فتح أكشاك لبيع سلع بأسعار مخفضة في مراكز الاقتراع وإصدار تعليمات لموظفي الدولة بإبلاغ رؤسائهم بأنهم أدلوا بأصواتهم.. وشاهد مراسلون من رويترز مجموعات من الأشخاص في مواقع مختلفة تصوت ثم يلتقطون صورا لأنفسهم بهواتفهم المحمولة أمام صناديق الاقتراع.
وفي مركز الاقتراع رقم 1515 بمدينة "زيلينودولسك" علي بعد 800 كيلومتر شرقي موسكو، التقط خمسة أشخاص لأنفسهم صورا وهو يصوتون. وسألهم مراسل من رويترز عن السبب فقالت شابة منهم "ما تعني بلماذا؟ نبلغ رؤساءنا بهذه الصور أننا صوتنا". وفي المركز رقم 216 في أوست ديجوتا، في مقاطعة الكاراتشاي الجركسية بجنوب روسيا كانت مارينا كوستينا تنظم مجموعات من الناخبين لالتقاط صور لهم. ووُجه لها سؤال عن سبب تصوير امرأة فقالت "عملها طلب ذلك".
مشاهد قوة
 تسلم بوتين "روسيا مريضة" من سلفه بوريس يلتسن، وكان عهد الرجل الأقوي في العالم حاليا وما زال حافلا بعدة مشاهد توضح كيف أن الرجل الذي يلقب بالقيصر، قد أعاد للعالم قطبه المفقود، فبعد معجزة اقتصادية جعلت روسيا ضمن أقوي 8 اقتصادات في العالم، تمكن من الوقوف في وجه غطرسة الولايات المتحدة ومعها حلفاؤها الغربيون، وذلك علي عدة مستويات: مخابراتية وعسكرية بل وإلكترونية، حيث مازالت التحقيقات جارية في الولايات المتحدة عن تدخل قراصنة روس في الانتخابات الرئاسية عام 2016، بما أفاد دونالد ترامب، وأضر منافسته هيلاري كلينتون، ويمكن رصد عدد من مشاهد القوة الروسية في مواجهة الغرب علي النحو التالي:
في شتاء عام 2000، وفي ليلة كست الثلوج العاصمة الروسية موسكو، حزم ألكساندر ليتفننكو المقدم بجهاز المخابرات العامة الروسية FSB أمتعته واصطحب أسرته (زوجته مارينا وابنه أناتولي) سراً إلي العاصمة البريطانية لندن، ليقيم تحت حماية المملكة المتحدة ويحصل علي الجنسية البريطانية.
في الأول من نوفمبر من عام 2006 تلقي ليتفننكو مكالمة، من أندريه لوجوفوي وديمتري كوفوتون وهما عميلان للمخابرات الروسية، تدعوه لتناول الشاي في فندق »‬ميلينيوم» بحي Mayfair الشهير، وبعد تناوله الشاي بعدة ساعات شعر بتقلصات في معدته ودوار في رأسه وأمضي الليل يتقيأ مع إسهال شديد، وأثبتت التحليلات تناوله البولونيوم 210.. مادة مشعة لا تنتجها سوي روسيا. وكان من الواضح أن أحدهم وضع له السم المشع في الشاي، إذ إنه لم يتناول أي شيء في استاد الإمارات حيث شهد ليتفننكو مباراة لكرة القدم بين فريقي أرسنال الإنجليزي وسيسسكا موسكو الروسي، قبيل الذهاب لفندق »‬ميلينيوم».
- خضع ليتفننكو، الذي عمل طوال حياته كضابط تحقيق واستقصاء في المخابرات الروسية، لعملية استجواب من قبل شرطة سكوتلاند يارد وهو علي فراش المرض بمستشقي لندن للإفادة عن ظروف مقتله البطيء وهو في الثالثة والأربعين من العمر. وقبيل وفاته بأيام مثل العميل الروسي أمام قاضٍ أسباني ليعترف له بعلاقة المافيا الروسية بكبار رجال السياسة في مدريد. لقي ليتفننكو مصرعه تدريجياً علي مدار 23 يوماً وعجز الأطباء عن فعل أي شيء يوقف تدهور حالته.. كانت الرسالة واضحة: قتلناه أمام أعينكم وبطريقتنا الخاصة وأخرسنا هذا البوق القذر الذي اشتريتموه بالمال.
- في 2008 الدبابات الروسية تجتاح جورجيا، حيث كان رئيسها ميخائيل ساكشفيلي مواليا للغرب، وتم دك مواقعها الحيوية بعنف، ولم يخرج الروس إلا بعد اقتطاع إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية.
- في عام 2014 وفي أوكرانيا هذه المرة.. آلاف من الجنود المسلحين تسليحاً ثقيلاً، الذين لا يحملون شارات تدل علي هويتهم، يحاصرون وحدات الجيش الأوكراني في إقليم القرم، ويسيطرون علي مطاريه الرئيسيين ومحاوره الاستراتيجية ومخزونه من المحروقات. ثم كان الإعلان عن قيام جمهورية دونيتسك في شرق أوكرانيا.. في 6 سنوات تمكن القيصر بوتين من تغيير الخريطة الأوروبية عدة مرات.
- في بولندا عام 2009:
حلف شمال الأطلنطي بقيادة الولايات المتحدة يعلن عن رغبته في نشر درع صاروخية بحجة حماية أوروبا من صواريخ إيران. وهنا هدد بوتين بقطع أي قدم تطأ بولندا القريبة من بلاده فتراجعت واشنطن عن الفكرة تماما.
- 5 مارس 2018 أصيب الجاسوس البريطاني السابق سيرجي سكريبال (66 عاما) وابنته يوليا، 33 (عاما) بالإغماء، بعد تعرضهما لمادة مشبوهة ونُقلا إلي أحد المستشفيات وهما يرقدان حاليا في قسم العناية المركزة ما بين الحياة والموت، علماً بأن سكريبال عقيد سابق في المخابرات العسكرية الروسية وجندته المخابرات البريطانية MI6  عام 1991. وانكشف أمره وأُلقي القبض عليه عام 2006. وكان قد حُكم عليه بالسجن لمدة 13 سنة، ثم خرج عام 2010 في صفقة تبادل جواسيس. وتوفيت زوجة سكريبال وابنه وشقيقه خلال العامين الماضيين في حوادث غامضة.
إجراءات انتقامية
علي مدار صيف 2013 لم تتوقف روسيا عن اتخاذ إجراءات انتقامية تجارية بحق دول أوروبا الغربية رداً علي ما قدموه من دعم لما عُرف بثورة »‬ميدان» في أوكرانيا، التي أطاحت بالرئيس فيكتور يانكوفيتش الموالي لموسكو، ثم جاء قيام روسيا بضم شبه جزيرة القرم التي كانت تابعة لأوكرانيا، كما ظهر التدخل العسكري الروسي جلياً في دونباس ولوجانيسك تلك المناطق الواقعة شرق أوكرانيا والمتمردة عسكرياً علي الحكومة المركزية في كييف، والمفاجأة أن ما كل ما قامت به روسيا كان مفاجئاً للأوروبيين، الذين فرضوا علي موسكو بالتعاون مع واشنطن حزمة عقوبات اقتصادية، وفي يوليو 2014 وقعت مأساة الطائرة MH17  التابعة للخطوط الجوية الماليزية حيث أسقطها صاروخ أُطلق من المناطق الأوكرانية الموالية لروسيا، وكان علي متنها 289 راكباً، وهنا تنبه الأوروبيون بعض الشيء لخطورة التدخل الروسي في أوكرانيا، علماً بأنه في يناير 2014 كان الزعماء الأوروبيون يتحدثون عن روسيا بنبرة مختلفة، فالرئيس الفرنسي، آنذاك، فرانسوا أولاند قال نصاً في مقابلة مع قناة فرانس إنتر: "السيد بوتين لا يريد ضم شرق أوكرانيا.. أنا متأكد من ذلك وهو نفسه أخبرني أنه لا يريد أن يفعل.. كل ما يريده هو أن يبقي فاعلاً".
فهم ميركل
أما المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل فيبدو أنها فهمت قبل جميع الأوروبيين، من ناحية لأنها تشغل منصبها منذ 2005 أي أنها التقت بوتين أكثر من مرة علي مدار عشر سنوات، ومن ناحية أخري لأنها وُلدت وتربت وعاشت شبابها فيما كان يُعرف بألمانيا الشرقية، تلك البلد التي عمل بها بوتين سنوات طوالا كعميل للمخابرات السوفيتية.
 ميركل فهمت إذاً النظام السوفيتي من الداخل، ولها مع بوتين نفسه أكثر من موقف، فحينما استقبلها في مدينة سوتشي الروسية تعمد سيد الكرملين أن يترك كلبه »‬اللابرادور» حراً طليقاً أثناء جلوسه معها، بينما خوف ميركل من الكلاب معروف للجميع، وفي شهر أكتوبر 2014 ضرب لها بوتين موعداً في مدينة ميلانو الإيطالية وتأخر عليها 24 ساعة كاملة لأنه كان يحضر عرضاً عسكرياً في صربيا.
في مارس 2014 قالت ميركل للرئيس الأمريكي، آنذاك، باراك أوباما »‬إن بوتين رجل فقد الاتصال بالواقع إنه يعيش في عالم آخر»، ورغم مرض ميركل وتحذير الأطباء لها من بذل الكثير من الجهد، فإنها أمضت مع بوتين 6 ساعات متواصلة في غرفة اجتماعات ملحقة بغرفته في فندق بمدينة بريسبان الأسترالية في أثناء قمة العشرين بنوفمبر الماضي.. كانت ميركل تحاول تقريب وجهات النظر فيما يخص أوكرانيا ولكن دون جدوي.
وفي الليلة التالية بمدينة سيدني، بعدما غادر بوتين القمة بدعوي أنه بحاجة إلي النوم، أعربت ميركل عن إحباطها الشديد وقالت صراحةً إن العالم عاد لزمن الحرب الباردة، حيث يوجد قطبان ووجهتا نظر متعارضتان، وكما أكدت في ميونخ مطلع فبراير الماضي: »‬سيستمر ذلك وقتاً طويلاً».