شئون خارجية

بعد إشعاله حربا تجارية عالمية

من يعيد ترامب إلي رشده؟


محمد عبدالفتاح
7/10/2018 11:34:34 AM

لا سؤال يشغل العالم حالياً سوي: هل يستطيع أحد إيقاف دائرة الحرب التجارية الجهنمية الدائرة حالياً؟  حرب أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بحجة تقليل عجز الميزان التجاري الأمريكي خارجياً، وهو ما يُنبئ بأضرار جسمية وتبعات خطيرة علي الاقتصاد العالمي.

تهديدات ترامب برفع الضرائب، علي الواردات إلي الولايات المتحدة، دخلت بالفعل حيز التطبيق مساء الجمعة الماضي، وتشمل الرسوم الأمريكية ما قيمته 50 مليار دولار من الواردات الصينية، من أجل التعويض عما تقول إدارة ترامب إنه »سرقة»‬ للملكية الفكرية والتكنولوجية الأمريكية. وكان ترامب أشار إلي حزمة ثانية من الضرائب علي ما قيمته 16 مليار دولار من الواردات الصينية لا تزال قيد الدرس لدي الممثل الأمريكي للتجارة روبرت لايتهايزر، ومن المفترض أن تدخل حيز التنفيذ خلال أسبوعين، في حين تعتزم بكين أيضاً فرض رسوم علي ما قيمته 50 مليار دولار من الواردات الأمريكية، فيما فرض ترامب علي السيارات الأوروبية 25٪ رسوماً إضافية.
وكان ترامب هدد بتصعيد النزاع التجاري بفرض رسوم جمركية علي سلع صينية بقيمة 450 مليار دولار، إذا ردت بكين، وهز النزاع الأسواق المالية بما فيها الأسهم والعملات وتجارة السلع العالمية من فول الصويا إلي الفحم. وكانت الصين قالت إنها لن »‬تطلق الرصاصة الأولي»، لكن الجمارك الصينية أكدت أن الرسوم الجمركية الصينية علي سلع أمريكية ستطبق فور بدء تطبيق الرسوم الأمريكية علي السلع الصينية.
في المقابل، لم يتأخر رد بكين الذي جاء علي لسان الناطق باسم وزارة الخارجية »‬لو كانج»، فقال: »‬عقب تطبيق الولايات المتحدة إجراءاتها الجمركية علي الصين، دخلت الإجراءات الصينية ضد الولايات المتحدة حيز التنفيذ فوراً». ورفض »‬لو كانج» الإعلان عن قيمة السلع الأمريكية التي ستخضع للرسوم، لكن »‬وكالة أنباء الصين الجديدة» (شينخوا) نقلت عن إدارة الجمارك تأكيدها أن رسوماً جمركية صينية علي واردات من الولايات المتحدة بقيمة 34 بليون دولار دخلت حيز التنفيذ، مشيرة إلي أن الرسوم التي فرضتها نسبتها 25٪ أيضاً. ومن المؤكد أن تؤدي الخطوة الانتقامية الصينية إلي رفع أسعار المدخلات، الأمر الذي سيدفع الشركات الصينية إلي تمرير التكاليف المتزايدة إلي المستهلكين أو تآكل الأرباح؛ و في كلتا الحالتين ليست بالنتيجة الإيجابية.
   المتحدث باسم وزارة التجارة الصينية »‬قاو فنج»، حذر في مؤتمر صحفي، من أن الرسوم الأمريكية المزمعة ستضر سلاسل الإمداد العالمية التي تشمل الشركات الأجنبية في ثاني أكبر اقتصاد بالعالم. وقال قاو »‬ الولايات المتحدة تفرض في الواقع رسوما علي شركات من جميع البلدان بما فيها الشركات الصينية والأمريكية». وأضاف »‬الإجراءات الأمريكية تهاجم بشكل أساسي سلاسل الإمداد والقيمة العالمية. ببساطة، تفتح الولايات المتحدة النار علي العالم بأسره بما في ذلك نفسها». وتابع »‬لن ترضخ الصين للتهديدات والابتزاز، ولن تتراجع عن عزمها الدفاع عن التجارة العالمية والنظام متعدد الأطراف».
 إدانـــــة
الاتحاد الوطني للبيع بالتجزئة »‬ناشيونال ريتيل فدريشون»، وهي مجموعة ضغط أمريكية لتوزيع المنتجات، انتقد في بيان »‬هذا التصعيد الخطير»، معتبرا أنه »‬التذكير الأخير بضرورة تدخل الكونجرس وممارسة نفوذه حول السياسة التجارية». واعتبر الاتحاد أن نحو 455 ألف وظيفة أمريكية مهددة بالإجراءات العقابية الأخيرة ضد الصين، مضيفا أنه لا مفر أيضا من أخذ ارتفاع أسعار المواد الأساسية في الاعتبار.
في عام 2017، بلغ العجز التجاري للولايات المتحدة مع الصين ما يفوق 375 مليار دولار. ويريد ترامب إرغام التنين الآسيوي علي خفضه بمقدار 200 مليار دولار.
ويقول كريستوفر بالدينج، خبير الاقتصاد في كلية التجارة »‬إتش إس بي سي» في شينزين (جنوب الصين) إن »‬بكين ليس لديها خيارات عددية، فهي لا تستورد الكثير من المواد من الولايات المتحدة وليس هناك منتجات إضافية يمكن فرض رسوم عليها». ومضي بالدينج يقول: »‬يمكنها أن تحقق حول كل الشركات المرتبطة بالولايات المتحدة لكن ذلك سيدعم حجج ترامب بشكل إضافي. علي عدة أصعدة، الصين ليس لديها قدرة كبيرة علي الرد».
واقع ملموس
الإجراءات التي دخلت حيز التنفيذ منذ أيام، جعلت ما كان غير ممكن منذ بضعة أشهر واقعاً ملموساً، ولا أحد يعرف حتي الآن ما الذي يمكن أن يُعيد ترامب إلي رشده، في ظل عدة إشارات حمراء بدأت في الظهور، حيث أصيبت الأسواق العالمية بحالة من الارتباك والعصبية الواضحة، وهو ما أكده جيروم باول، رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي (البنك المركزي) بقوله إن الشركات والمؤسسات تنوي، بشكل عام، تأجيل عدد من المشاريع الاستثمارية، وبالتالي تأجيل تعيين موظفين جُدد. هذا فضلاً عن أن إنتاج ثًلث الأراضي الزراعية الأمريكية يتم تصديره إلي الخارج، وهو ما يجعل من فئة المزارعين ضحايا الإجراءات الحمائية التي يتفاخر بها ترامب، علماً بأن تلك الفئة صوتت له بكثافة في الانتخابات الرئاسية عام 2016.
علي عكس ما يعتقده سيد البيت الأبيض، فإن هذه الحرب لن يخرج أحد منها فائزاً، وذلك بحسب ما ورد في مذكرة نشرها مركز تحليل الاقتصاد الأمريكي في الثالث من يوليو الجاري، والذي حذر أيضاً من »‬عواصف ستجتاح التجارة الدولية». ومن بين السيناريوهات المتوقعة أن تتحول الإجراءات والإجراءات المضادة لحرب تجارية شاملة بين واشنطن وبكين وبروكسل، مما سيخفض إجمالي الناتج القومي للجميع بمعدل من 3 إلي 4 نقاط، فيما ستنخفض صادارت دولة مثل فرنسا إلي خارج دول الاتحاد الأوروبي بمقدار 42٪، وهو مستوي مماثل للأزمة المالية - الاقتصادية المزدوجة التي ضربت العالم أواخر عام 2007، ومطلع 2008.
الموقف العام يبدو خطيراً وفي نفس الوقت يفتقد لكل أنواع العقلانية، وهو ما يمكن فهمه من تصريح البروفيسير الاقتصادي الأمريكي الشهير بول كروجمان الحائز علي جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2008، بقوله: »‬ حكومات دول الاتحاد الأوروبي والصين لا يمكنها منح ترامب ما يريد لأنه يطلب منهم التوقف عن أشياء هم بالفعل لا يفعلونها».
وإذا كان ما يفعله الرئيس الأمريكي يحدث استناداً إلي حسابات سياسية داخلية، فإنها حسابات خاطئة تماما، فإذا كانت الولايات المتحدة تعاني عجزاً في ميزانها مع كل شركائها التجاريين، فإن ذلك مرده إلي أن الأمريكيين لا يدخرون بشكل كافٍ، ويعيشون في مستوي يفوق إمكانياتهم المادية الحقيقية. وفي هذا الإطار فإن الإصلاح الضريبي الذي اعتمده الكونجرس مؤخراً، وما يشكله من رفع سقف العجز في الموازنة بشكل خطير، لن يكون له من آثار سوي تعميق ظاهرتي عدم الادخار والإنفاق ببذخ.
النتيجة الطبيعية لزيادة الرسوم الجمركية هي  التضخم، ورد الفعل الطبيعي للتضخم هوأن يقوم البنك المركزي برفع الفوائد علي الودائع، والنتيجة الحتمية لهذين المعطيين هو تراجع الاستثمار والاستهلاك معا. لذا يري خبراء الاقتصاد أن واشنطن، وبشكل غير مسؤول تعرِّض الاقتصاد العالمي لمخاطر بالغة، وإذا كانت الخطورة لم تبلغ نقطة اللاعودة بعد فهي قريبة جداً، والخبر السيئ، بل الأسوأ علي الإطلاق، من بين كل ما سبق هو أن الرئيس الأمريكي، ذلك الرجل الذي لا يمكن لأحد توقع ما سيقدم عليه، هو الشخص الوحيد الذي يمكنه إيقاف كل هذا.
مخاطر عالمية
 منظمة التجارة العالمية حذرت من أن الحواجز التجارية التي أقامتها اقتصادات كبري قد تعرض التعافي الاقتصادي العالمي للخطر، وأن آثار هذه الحواجز بدأت تظهر بالفعل. وفي أحدث مؤشر علي تأثير الرسوم علي التجارة، غيّرت سفينة تحمل فحما أمريكيا وجهتها من الصين إلي سنغافورة.
وبشكل فعلي، فإن المستثمرين وحدهم هم المتضررون من الوضع الحالي، لأن تحول أكبر القوي العظمي في العالم إلي الحمائية له تداعيات عالمية، فربما تنمو الشركات الدولية بشكل أقل تنافسية بسبب التعريفات الجمركية، ويمكن أن ترتفع تكلفة المواد الخام التي يتم شراؤها من الخارج بنسب تتراوح من 10 إلي 20٪، غير أنه من المحتمل أن أي إجراء إضافي من الولايات المتحدة أو الصين قد يضع حداً لصعود الأسواق الحالي، الذي كان من المتوقع أن يمتد حتي 2020.
وترجع تصرفات ترامب الحالية لحملته الانتخابية عام 2016، حين وعد بحماية الوظائف الأمريكية وإعادة التفاوض بشأن العجز التجاري الأمريكي مع دول العالم، حيث تعاني الولايات المتحدة من أكبر عجز تجاري في العالم (بمعني أنها تشتري المزيد من السلع والخدمات من دول أخري أكثر من التي تبيعها في الخارج)، وذلك بقيمة بلغت 568 مليار دولار العام الماضي، والصين لها نصيب الأسد من هذا العجز فيما يتعلق بالسلع، حيث تصدّر للولايات المتحدة بما يقرب من 376 مليار دولار أكثر مما اشترت من المنتجين الأمريكيين.
ومن المتوقع أن تضر الحرب التجارية بين قطبي الاقتصاد العالمي بأرباح الشركات، الأمر الذي من المرجح أن يؤدي إلي ضعف نمو الأجور والمزيد من خفض الوظائف، في وقت حساس للاقتصاد العالمي.
ومن حيث المبدأ، لا يمكن استبعاد أيٍّ من سيناريوهات التفاوض أو التصعيد في الأسابيع المقبلة، لكن الموقف بشكل عام يبدو ممزوجاً بكثير من الاضطراب والتوتر، مع احتمالات واسعة لاستمرار حرب تجارية شاملة بين أكبر اقتصادين في العالم. ومن حيث التأثيرات الاقتصادية، فإن 25٪ من التعريفات الأمريكية علي 50 مليار دولار، بالإضافة إلي 10٪ من الرسوم الجمركية علي الواردات بقيمة 200 مليار دولار من الصين، مع قيام الصين برد مماثل، أو ما يعرف بـ»‬واحد إلي واحد»، من شأنه أن يقلل من نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (المعدل وفقاً لأسعار التضخم) في كلٍّ من الصين والولايات المتحدة بنحو 0.3٪ و0.2٪ علي التوالي خلال 2019-2020.