شئون خارجية

مذكرات ميشيل أوباما.. حب وجد وعطاء


دينـا توفـيق
12/4/2018 4:02:08 PM

البساطة والأناقة كانتا عنوانها.. الحزم والحكمة كانا سلاحها.. ارتبط اسمها بالنجاح والتحدي.. امرأة مفعمة بالحيوية والبهجة والنشاط، هدوؤها وجاذبيتها ورُقيها جعلتها تتخطي الأوقات الصعبة.. امرأة لم تعرف اليأس يوماً، عنيدة كافحت حتي صارت إلي ما هي عليه الآن.. هكذا كانت مسيرة "ميشيل أوباما" الأمريكية من أصول أفريقية حتي أصبحت السيدة الأولي وسكنت البيت الأبيض لثماني سنوات وعليها ستبقي، مثلي ومثلك ومثل أي شخصية متواضعة  نعرفها.

في حياة مليئة بالمعاني والإنجازات برزت ميشيل كواحدة من أكثر النساء إبداعاً وتأثيراً وإقبالاً علي الحياة وصعوبتها في عصرنا هذا. وبوصفها السيدة الأولي للولايات المتحدة السابقة وهي أول أمريكية أفريقية تحرز اللقب؛ ساعدت في جعل البيت الأبيض أكثر حيوية وترحيباً. وفرضت نفسها كمدافعة قوية عن النساء والفتيات في الولايات المتحدة وفي جميع أنحاء العالم، وكان شغلها الشاغل طيلة الوقت. غيّرت بشكل جذري الطرق والأساليب التي تتبعها الأسر من أجل حياة أكثر صحة ونشاطا، كما رقصت، وأبهرت المشاهدين حين غنت في برنامج »كاربول كاريوكي»‬، وربت ابنتين تربية واقعية تحت أضواء وسائل الإعلام التي لا ترحم. هذا بالإضافة إلي وقوفها بجانب زوجها في قيادته أمريكا في بعض أصعب اللحظات التي عاشتها البلاد.
في مذكراتها وهي عمل تأملي عميق ورواية ساحرة، تدعو ميشيل أوباما القرّاء إلي عالمها وتؤرخ التجارب التي مرت بها وصقلتها وجعلتها علي ما هي عليه اليوم؛ منذ طفولتها في الجانب الجنوبي من شيكاغو إلي سنوات المسؤولية وعملها كمديرة تنفيذية بإحدي الشركات واتخاذ القرارات التي نجحت خلالها في التوفيق بين العمل ومطالب الأمومة، حتي الوقت الذي أمضته في أكثر الأماكن شهرة في العالم »‬البيت الأبيض». وتوجه السيدة الأولي السابقة رسالة هامة إلي قرّاء هذه المذكرات الصادرة منتصف الشهر الماضي بعنوان »‬وأصبحت» عن دار النشر »‬كراون»، قائلة »‬أنا شخصية عادية وجدت نفسها في رحلة غير عادية، وبمشاركة قصتي أتمني أن تساعد في خلق مساحة لقصص وأصوات أخري، وإفساح الطريق لمن يتمني خلق شيء جديد ممكن أن يكون مفيداً لأشخاص آخرين ومنحهم أفكارا يمكن أن تغير حياتهم إلي الأفضل، ليصبح الإنسان الذي يطمح أن يكون.
ومذكراتها التي طال انتظارها، تخرج اليوم وتؤكد لنا ما كنا نتوقعه منذ فترة طويلة؛ وهو أن ميشيل أوباما هي إنسانة بكل ماتحمله الكلمة من معني. وبصراحة مطلقة وطرافة، تصف انتصاراتها وخيباتها علي المستويين العام والخاص، تسرد قصتها الكاملة كما عاشتها. ورغم نشاطها وتركيز الإعلام عليها منذ خوض زوجها ماراثون الانتخابات الرئاسية عام 2008 وحتي الآن، لاتزال هناك أسرار ومواقف لم تعكسها عدسات الكاميرات ويتعطش لمعرفتها القرّاء ومحبوها، لذا تبقي هدفاً للناشرين وعمالقة صناعة الميديا لا سيما أنها رحلت عن البيت الأبيض والمنصب وتحدثت بتلقائية ودون أي تحفظات أو دبلوماسية. والمثير أيضاً أن مذكرات زوجة الرئيس الأمريكي السابق »‬باراك أوباما» كانت الأكثر مبيعاً لأمازون، فقد تم بيع 1.4 مليون نسخة خلال الأسبوع الأول من إصدارها .
هناك الكثير من اللحظات السعيدة التي استعرضتها ميشيل، مثل اللطف الذي أظهره الرئيس الأسبق »‬جورج بوش» وزوجته السيدة الأولي »‬لورا بوش» لها بعد انتخاب زوجها أوباما، والجولة التي تم تسليم البيت الأبيض لها، كما هو الحال في التقاليد، والترحيب بابنتيها ماليا وساشا. وكان الجزء المفضل لدي باراك في هذه الجولة هو الصالة الرياضية، وهو أمر شاركه مع الرئيس بوش. فيما كانت ميشيل تشاهد غرفة ملابسها في المستقبل، المطلة علي حديقة الورد والمكتب البيضاوي؛ وقالت حينها لورا بوش، إن سابقتها »‬هيلاري كلينتون»، قامت بما تقوم به هي الآن في زيارتها الأولي للبيت الأبيض، وكذلك كان هذا المشهد هو ما رأته هيلاري، عند زيارتها الأولي له علي يد سابقتها »‬باربارا بوش»، معقبة »‬كنت جزءاً من سلسلة متواضعة.»
وتوضح ميشيل أن بصفتها السيدة الأولي الأمريكية الأفريقية الوحيدة التي وطأت قدماها البيت الأبيض، لم أتوقع أن أحظي بذلك، وإذا كان هذا المنصب مخصصا لأسلافي البيض، لم أتوقع أن يكون الشيء نفسه بالنسبة لي، فقد تعلمت من خلال الحملة أن أكون أفضل وأسرع وأذكي وأقوي من أي وقت مضي. كما تحدثت عن حفل تنصيب زوجها كرئيس للولايات المتحدة، قائلة إن الفستان الذي ارتدته حينذاك أشعرها بأنها أصبحت جاهزة لتصبح السيدة الأولي للولايات المتحدة، والانتقال إلي مرحلة جديدة في حياتها، مضيفة: »‬أنا الآن السيدة الأولي، إنه وقت الاحتفال.». ومنذ الوهلة الأولي، كما جاء في مذكراتها، لاحظت ميشيل كسيدة أولي شيئين في أول خطاب لزوجها قبل جلسة مشتركة للكونجرس. الأولي هي الافتقار إلي التنوع، الذي وصفته بـ»‬الصارخ» و »‬المحرج» لدولة حديثة متعددة الثقافات. والثاني، شعورها بخيبة أمل في سلوك الجمهوريين الذين ظلوا جالسين طوال وقت الخطاب، كما أظهروا عنادهم وغضبهم، بأذرعهم المطوية، وعباراتهم المتعمدة، وظهروا وكأنهم أطفال لم يعرفوا طريقهم. وتساءلت بعد الخطاب عما إذا كان هناك »‬أي طريق إلي الأمام.»
وخلال تواجدها بالبيت الأبيض وجدت حياة مختلفة كثيراً عن تفكيرها، فكان أوباما محاطاً بالأشخاص الذين كانت مهمتهم التعامل معه كجوهرة ثمينة. ما جعلها تشعر في بعض الأحيان وكأنها ارتدت إلي العصور القديمة عندما كانت الأسرة تدور فقط حول احتياجات الرجل، وكان عكس ما أرادت نقلها لماليا وساشا. وخصصت ميشيل في كتابها جزءاً لتتحدث فيه عن لماذا قررت أن تهتم بحديقة البيت الأبيض؟ قائلة »‬عرفت ما يهم بالنسبة لي. لم أكن أريد أن أكون نوعاً من الزينة الأنيقة التي تظهر في الحفلات، فقد أردت أن أفعل أشياء تكون هادفة ودائمة.»
وتصف ميشيل أحلك أوقات زوجها عندما كان رئيساً للبلاد، وذلك حين قتل مسلح عشرين طالباً وستة مدرسين في مدرسة »‬ساندي هوك» الابتدائية في »‬نيوتاون» في ولاية »‬كونيتيكت» عام 2012، وأخبرها مساعدوها بما حدث وقالوا إن زوجها كان يريدها أن تعود إلي البيت الأبيض علي الفور. وقالت: »‬ستكون هذه هي المرة الوحيدة خلال ثماني سنوات التي يطلب فيها وجودي في منتصف يوم العمل» ، مضيفة: »‬عندما دخلت المكتب البيضاوي، احتضنت باراك بصمت، لم يكن هناك شيء يقال؛ لا توجد كلمات.» وتضيف ميشيل: »‬هذه الصور حُفظت إلي الأبد في ذاكرته، أستطيع أن أري في عينيه كيف حطّمه هذا الحادث، وكيف زعزع إيمانه».
فيما تحدثت ميشيل عن السبب في إلقاء خطاب دعم هيلاري كلينتون في المؤتمر الوطني الديمقراطي لعام 2016، فمنذ طفولتها وهي تؤمن بأهمية الحديث ضد المتنمرين، مع عدم الانحدار إلي مستوياتهم، مضيفة في إشارة إلي الرئيس الأمريكي »‬دونالد ترامب»: »‬لنكن واضحين، فقد كنا أمام شخص متنمر، يهين الأقليات ويزدري سجناء الحروب، إنه يتحدي كرامة وطننا مع كل كلمة ينطقها.» وقالت إنها تشعر بالحيرة من الطريقة التي دعّمت بها النساء ترامب في انتخابات عام 2016، وسأظل أتساءل حول الأسباب التي دفعت العديد من النساء، علي وجه الخصوص، لرفض مرشح نسائي مؤهل بشكل استثنائي واختيار بدلاً من ذلك كاره النساء كرئيس لهن.
وفي مقابلة مع الإعلامية الأمريكية الشهيرة أوبرا وينفري، للحديث عن الكتاب قالت ميشيل، إن التوازن هو قلب الكتاب؛ ذلك التي حققته مع زوجها، أول رئيس من أصول أفريقية يصل للبيت الأبيض، هذا التوزان هو أمريكا التي تعرفها والتي يعرفها الكثير من الناس المهمشين. ومع ذلك، حتي أثناء معالجة بعض الحقائق القبيحة، فإن المذكرات ليست قاتمة، بل تكمن قوتها في قدرتها علي غرس الأمل والتفاؤل مع الحفاظ علي الصدق.