شئون خارجية

بعد عمليات القرصنة والتسريبات كشف المستور عن دبلوماسية أوروبا!


دينـا توفيـــق
12/25/2018 12:59:12 PM

تجسس وتسريبات.. هجوم إلكتروني وعملية اختراق كبري لشبكات الاتصالات التابعة للاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الأمريكية؛ قرصنة ظلت لثلاث سنوات حتي كشفت عنها شركة »area-1»‬ للأمن في الولايات المتحدة الأمريكية.. قلق وترقب أظهرته الوثائق المسربة التي تشمل الاتصالات علي المستوي المعروف بـ"سري للغاية". تهديدات تنذر بتصاعد جديد في الحرب الباردة.. مخاوف من حرب اقتصادية وتجارية شرسة مع توجيه أصابع الاتهام إلي الصين.

انفجرت الأزمة الجديدة وأصدر المتحدث باسم الأمم المتحدة تعليقاً حول عملية الاختراق، فيما رفضت وكالة كالة الأمن القومي الأمريكية »‬NSA» التعليق، رغم اتهام واشنطن وثلاثة من حلفائها - بريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا- بكين بالتجسس لأغراض اقتصادية، وفقاً لما ذكرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية. وقد قام الادعاء الأمريكي بتوجيه الاتهام لمواطنين صينيين لهما صلة بوكالة تجسس بسرقة بيانات سرية من هيئات حكومية أمريكية وأوروبية وشركات في أنحاء العالم.
وقالت الصحيفة الأمريكية إن القراصنة تسللوا إلي شبكة الاتصالات الدبلوماسية التابعة للاتحاد الأوروبي منذ سنوات، وقاموا بتفريغ الآلاف من البرقيات التي تكشف عن المخاوف بشأن إدارة الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" التي لا يمكن توقعها وصراعها للتعامل مع روسيا والصين والمخاطرة باحتمال إحياء إيران لبرنامجها النووي.
في إحدي البرقيات، وصف الدبلوماسيون الأوروبيون اجتماعاً بين الرئيس ترامب والرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" في "هلسنكي"، بفنلندا، بأنه ناجح علي الأقل لبوتين. ويبدو أن ترامب وافق علي السماح للروس باستجواب الدبلوماسيين الأمريكيين السابقين مقابل الاستجواب الأمريكي للروس الذين وجه إليهم المستشار الخاص "روبرت مويلر"، ووفقاً لوثيقة 20 يوليو، التي تصف مبادلاتهما الخاصة، أكد مسؤولو البيت الأبيض للأوروبيين أن اتفاق ترامب "سيتم تخفيفه" لمنع استجواب الأمريكيين.
وفي برقية أخري تم تسريبها، تنقل ما تم كتابته بعد اجتماع 16 يوليو، وتقريراً مفصلاً وتحليلاً لمناقشة الحوار بين المسؤولين الأوروبيين والرئيس الصيني "شي جين بينج"، الذي وصف ترهيب ترامب لبكين بـ"مباراة ملاكمة حرة بدون قواعد". كما أن الرئيس الصيني تعهد بأن بلاده "لن تتعرض لبلطجة" الولايات المتحدة "حتي لو أضرت الحرب التجارية بالجميع". ويبدو أن أحد الدبلوماسيين كتب في التقرير أن "الصين لم تعد بلداً متخلفاً".
وتوفر التسريبات نظرة ثاقبة في نضال أوروبا لفهم الاضطراب السياسي الذي يكتنف ثلاث قارات من بينها آسيا وأفريقيا. وتكشف أيضاً عن رغبة كبيرة للمتسللين في جمع حتي التفاصيل الأكثر غموضاً في المفاوضات الدولية. واستهدف المتسللون أيضاً شبكات الأمم المتحدة ووزارات الشؤون الخارجية والمالية في جميع أنحاء العالم، بالإضافة إلي "اتحاد العمل الأمريكي ومؤتمر المنظمات الصناعية" »‬AFL-»‬IO»، وركز الاختراق علي القضايا المحيطة بالمفاوضات حول الشراكة عبر المحيط الهادي، وهي صفقة تجارية استبعدت بكين. ويركز جزء من مواد الأمم المتحدة علي عدة أشهر خلال عام 2016، عندما كانت كوريا الشمالية تجري تجارب الصواريخ بشكل مكثف، ويبدو أنها تتضمن إشارات إلي الاجتماعات الخاصة للأمين العام للمنظمة الدولية ونوابه مع القادة الآسيويين. وقال متحدث باسم الأمم المتحدة "ستيفان دوجاريك دي لا ريفيير" إن الأمم المتحدة ليس لديها معلومات عن احتمال حدوث خرق إلكتروني قام به قراصنة صينيون. وأضاف أن الهجمات الإلكترونية يتم الإبلاغ عنها داخلياً فقط ، وبالنسبة لمعظم الحوادث، لا تتوفر لدي الأمم المتحدة معلومات كافية لمشاركتها حول هذه الهجمات بشكل قاطع". وتم استهداف بعض المنظمات والمؤسسات التي يزيد عددها عن 100 مؤسسة منذ سنوات، لكن الكثيرين لم يكونوا علي علم بعمليات الاختراق حتي قبل بضعة أيام، عندما تم تنبيه البعض من قبل شركة »‬area-1».
وتتضمن البرقيات المسربة تقارير واسعة من قبل الدبلوماسيين الأوروبيين عن خطوات روسيا لتقويض أوكرانيا وإضعافها، بما في ذلك تحذير في 8 فبراير بأن القرم، التي ضمتها موسكو قبل أربع سنوات تحولت إلي "منطقة ساخنة نشر فيها رؤوس حربية نووية". ويقول المسؤولون الأمريكيون إنهم لم يروا أدلة علي وجود رؤوس حربية نووية في شبه جزيرة القرم.
وكما كانت إحدي التسريبات لتصريحات لرئيس المفوضية الأوروبية "جان كلود يونكر" إلي الصين يوضح فيها أن يتم التعامل مع الاتحاد الأوروبي علي أنه غير مقسّم وغير قابل للتقسيم، وفقاً لما نشرته صحيفة الجارديان البريطانية. كما كشفت التسريبات عن الصعوبات في العلاقات بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي التي تطورت خلال إدارة ترامب. وتصريحات مسؤول أوروبي كبير في واشنطن عن "جهود المراسلة" للتعامل مع "الموقف السلبي تجاه دول القارة في البداية، مما خلق الكثير من انعدام الأمن." فيما أوصت المسؤولة، "كارولين فيشيني"، نائبة رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي في واشنطن، بأن يصف دبلوماسيون من الدول الـ 28 الأعضاء الولايات المتحدة بأنها أهم شريك لهم حتي أثناء وقوفهم مع ترامب في الأمور التي اختلفوا فيها؛ مثل، قضايا المناخ والتجارة والاتفاق النووي الإيراني.
ومن بين البرقيات أيضاً طلبات الحصول علي تراخيص لتمويل الصادرات إلي إيران ، وكذلك تفاصيل الجهود طوال عام 2018 لمواصلة الترتيبات الاقتصادية التي قد تغري طهران بالامتثال لشروط الاتفاق النووي لعام 2015، حتي بعد انسحاب ترامب منه. كما كان هناك تحقيق حول ما إذا كان يجب السماح لنائب وزير الخارجية الروسي السابق "ديمتري روغوزين"، الذي دعا إلي ضم شبه جزيرة القرم، للسفر إلي النمسا لعقد اجتماع دولي حول "الاستخدامات السلمية للفضاء الخارجي" في وقت كان روغوزين تحت العقوبات المالية الأوروبية. كان هناك الكثير من التحليل في برقيات السياسة الخارجية واستراتيجيات أوروبا بشأن قضايا التجارة ومكافحة الإرهاب والهجرة والتوسع التي من الممكن ان تستغلها الصين التي تبحث عن ميزة.
وتوضح الصحيفة الأمريكية أن التقنيات التي استخدمها المتسللون علي مدي ثلاث سنوات تشبه تلك التي استخدمها جيش التحرير الشعبي الصيني. تم نسخ الكابلات من الشبكة الآمنة ونشرها علي موقع إنترنت مفتوح قام المخترقون بإعداده أثناء هجومهم، »‬area-1» التي اكتشفت عملية القرصنة. فيما قدمت الشركة الأمنية أكثر من 1100 برقية من كابلات الاتحاد الأوروبي التي تم اختراقها إلي صحيفة "نيويورك تايمز"، بينما لم يصدر تعليق فوري من مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض. وشركة »‬area-1» التي كشفت عملية القرصنة، هي شركة أمريكية للأمن السيبراني مقرها في "ريدوود سيتي"، بولاية "كاليفورنيا" الأمريكية، تم تأسيسها عام 2013 من قبل ثلاثة مسؤولين سابقين بوكالة الأمن القومي الأمريكية هم "أورين فالكويتز" المؤسس والمدير التنفيذي، و"بليك دارشي" كبير ضباط الأمن، و"فيل سيمي" رئيس التكنولوجيا التنفيذي. خلال عام 2016، تم إدراجها بين قائمة فوربس لأفضل الشركات الصاعدة، وفي عام 2017، تم تقديمها من قبل سان فرانسيسكو بزنس تايمز كـ"أفضل مكان للعمل"، وخلال العام الحالي، حصلت علي جائزة التميز في الأمن السيبراني. وأوضح دارشي، كبير ضباط الأمن بـ»‬area-1» أن "بعد أكثر من عشر سنوات من الخبرة في مكافحة العمليات الإلكترونية الصينية والتحليل الفني المكثف، لا شك في أن هذه الحملة مرتبطة بالحكومة الصينية". وردا علي سؤال حول عملية الاختراق، قال إنه تم تحذير الاتحاد الأوروبي مراراً وتكراراً من أن نظام اتصالاته المتقادم كان معرضا بشكل كبير للقرصنة من جانب الصين وروسيا وإيران ودول أخري.
والآن، ووفقاً لتصريحات مسؤولين أوروبيين، يحاولون إصلاح شبكاتهم القديمة والضعيفة - وهي عملية مكلفة لا يمكن للتحسينات التكنولوجية أن تحمي الخطأ البشري. وأشاروا إلي أنه تم تطوير نظام جديد، يعرف باسم E»‬3IS، للتعامل مع الوثائق الأكثر حساسية التي يتم مشاركتها بين الدبلوماسيين. أما بالنسبة للاتصالات في عواصم مثل موسكو وبكين، يتم تركيب شبكة أخري، تعرف باسم زيوس، لفائدة الدول الأعضاء. فيما تمضي الصحيفة الأمريكية قائلة: يبدو أن الأوروبيين، متأخرين، يستيقظون علي التهديد.