شئون خارجية

بريطانيا والاتحاد الأوروبي.. ندم ما بعد الطلاق


محمد عبد الفتاح
1/22/2019 1:02:56 PM

بعدما اعتبره كثيرون، ولوقت طويل، حلا طوباوياً، يبدو طرح اللجوء لاستفتاء ثان حول انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي »بريكسيت»‬، يلقي قبولاً متزايدا يوما بعد آخر.  »‬أحد أكثر الأشياء التي اعتبرها الجميع مستحيلة يجب أن يحدث».. هكذا صرح جيسون جروفز رئيس تحرير صحيفة »‬الديلي ميل» في مداخلة تلفزيونية علي شاشة الـ BB»‬. وذلك إثر أسبوع مليء بالجنون، شهد تصويت البرلمان البريطاني بـ(لا) علي اتفاق رئيسة الوزراء تريزا ماي مع قادة الاتحاد الأوروبي علي انفصال لندن عن منظومة القارة العجوز، في التاسع عشر من مارس المقبل، ثم نجاة ماي وحزبها وحكومتها من اقتراع لحجب الثقة داخل أروقة مجلس العموم، وما تلا ذلك من رحلتها منكسرة سياسياً إلي بروكسل، حيث رفض قادة الاتحاد الأوروبي إعادة التفاوض مرة أخري بعد اتفاق ظهر إلي النور منذ عدة أسابيع، علي خلفية 18 من مفاوضات ماراثونية بين الطرفين.

تبدو الأحداث متسارعة متلاحقة في بلاد، كان يُطلق عليها يوماً إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، حيث إن رفض مجلس العموم البريطاني لاتفاقية ماي مع الأوروبيين، يضع الجميع في مواجهة NO Deal أي الخروج بدون اتفاق، وهو ما سيترتب عليه وضعاً قانونيا وسياسياً كارثياً بكل المقاييس.
وفيما يشبه الندم بعد قرار الطلاق، والحديث هنا عن تصويت البريطانيين ب(نعم) للخروج من الاتحاد الأوروبي في استفتاء 23 يونيو 2016، غيّر مقترعون- شكلوا حركة يطلق عليهم اسم کemainers Now »‬الباقون الآن»، والتي أسسها مؤيد للوحدة الأوروبية أندرو دافيدسون ــ رأيهم وأصبحوا ينشطون بقوة اليوم لعدم انسحاب بلادهم من التكتل. أحد أبرز هؤلاء الناشطين يُدعي جاري مايلين.. يتذكر  تماما الأشهر التي سبقت الاستفتاء ولماذا كان في يوم التصويت التاريخي هذا واحدا من 51٫9% من البريطانيين الذين اختاروا الانفصال بعد أكثر من أربعين عاما علي انضمام بلدهم إلي الاتحاد. وقال الرجل البالغ من العمر 38 عاما، والمنحدر من »‬نورويتش» بشرق إنجلترا، لوكالة فرانس برس: »‬أردت أن تستعيد المملكة المتحدة سيادتها».
وأضاف أن »‬المنطقة التي كنت أعيش فيها كانت تؤيد بشكل واسع الانسحاب من الاتحاد الأوروبي. كان النائب الذي يمثلني مؤيدا لبريكست وكل ما سمعته كان في هذا الاتجاه، لذلك وصلت بنفسي إلي نتيجة مفادها أنه يمكن أن ننسب إلي الاتحاد الأوروبي مشاكل كثيرة». لكن اليوم إذا أعيد التصويت »‬سأصوت بلا تردد مع البقاء» في الاتحاد، كما قال. وتابع »‬أدركت أن البلاد لا يمكن أن تحل مشاكلها بمفردها». وأضاف »‬إذا نظرنا إلي الوضع الحالي في العالم الآن، مع دونالد ترامب في الولايات المتحدة وصعود الصين وبوتين في روسيا، فمن الأهم بكثير أن نكون أقوياء في أوروبا موحدة».وخلال ساعات، يتوجه الرجل مع حوالي عشرة من »‬النادمين» الآخرين إلي ويستمينستر مركز السلطة في لندن، للقاء نواب بريطانيين وليروي لهم قصته ولماذا بات يكافح الآن لوقف بريكست.
أما المؤسس أندرو دافيدسون،  فقال إن »‬استفتاء 2016 سبب لي صدمة. شعرت بالخوف علي البلاد وأردت أن أفعل شيئا»، مؤكدا قناعته بأن الحركة التي استوحت اسمها من وسم علي مواقع التواصل الاجتماعي ستسمح »‬بالتأثير علي النقاش» وتشجيع مؤيدين آخرين لبريكست علي تغيير موقفهم.
توترات
وتبني الحركة آمالها علي استطلاعات للرأي أجريت مؤخرا وتشير إلي أنه في حال تنظيم استفتاء جديد، وهو خيار تستبعده الحكومة حاليا لكنه يلقي تأييدا متزايدا في المملكة المتحدة، سيفوز مؤيدو البقاء في الاتحاد بنسبة 54%، حسب أرقام جمعت من تحقيقات أجرتها المنظمة غير الحزبية What Uk Thinks؟ أو »‬فيما تفكر المملكة المتحدة؟». ويفسر هذا التغيير خصوصا بالخوف من الصعوبات الاقتصادية المحتملة لبريكست.
جون كورتيس، أستاذ السياسة في جامعة ستراثكلايد باسكتلندا، قال ردا علي سؤال لوكالة فرانس برس »‬لو أننا عندما صوتنا، كنا نعرف أن الاقتصاد سيعاني  من عواقب بريكست، فإن فرص التصويت مجددا علي الرحيل تصبح النصف تقريبا». ويشاطر كريستوف أورام هذا الموقف. ففي 2016 ووسط وعود بمستقبل واعد بعد بريكست، صوت مع الانفصال. وقال الرجل البالغ من العمر 28 عاما ويقيم في دورسيت بجنوب غرب البلاد »‬سمعتهم بعد ذلك (أي بعد الاستفتاء) يتحدثون عن مغادرة السوق الواحدة والاتحاد الجمركي. كان ذلك صدمة لأن المحافظ دانيال هانان أكد أن لا أحد يتحدث عن تعريض علاقتنا مع الاتحاد الجمركي والسوق الواحدة للخطر». وأضاف أن »‬الوعود التي قطعت لنا لم تنفذ»، مؤكدا أنه يشعر »‬بالخجل» لعدم استفساره بشكل كاف قبل أن يدلي بصوته. وقال »‬لم أحاول الاستفسار لأعرف. صدقت ما يقوله الناس في التلفزيون. قلت لنفسي إنهم نواب ويعرفون بالتأكيد ما يتحدثون عنه».
تبدل موقف هؤلاء »‬النادمين» لا تمر دون عواقب. فقد تعرض جاري مايلين لمضايقات علي شبكات التواصل الاجتماعي، بينما اختلف كريستوفر أورام مع أقرب صديق له. وقال »‬إنه صديق رائع لكنه صوت علي الرحيل وما زال يعتقد أن علينا الانسحاب. هذا يخلق توترات بيننا. شركاؤنا طلبوا منا ألا نناقش بريكست عندما نجتمع». وقرر آخرون ببساطة أن يقاطعوه. وقال »‬هذا محزن. من حقي أن أغير موقفي».
قلق
في قبو بدبلن، عاصمة أيرلندا الشمالية، يتراكم احتياطي الذهب أكثر كلما اقترب موعد بريكست، ويعود هذا الاحتياطي للكثير من المستثمرين القلقين من خروج بلا اتفاق. ويقول سيموس فاهي، أحد مؤسسي شركة الوساطة ميريون فولتس، التي تعرض أيضا قاعة صناديق تخزين لإيداع الذهب في وسط العاصمة الأيرلندية، »‬إنهم يخشون تراجعا كبيرا في قيمة الجنيه الاسترليني في حال حدوث بريكست» بدون اتفاق. وأشار إلي ارتفاع بنسبة 70% لزبائنه من مقاطعة أيرلندا الشمالية المجاورة حيث لا توجد أي خدمة مماثلة، وذلك في عام 2018 مع تزايد الشعور باحتمال خروج من الاتحاد بدون اتفاق. وأوضح »‬أن الزبائن يسحبون المال من البنوك ويشترون سبائك ذهب بوساطتنا لتخزينها». وهو ثمن راحة البال الذي لا يبعد إلا نحو ساعة عن الحدود التي تفصل مقاطعة أيرلندا الشمالية البريطانية عن جمهورية أيرلندا الحرة (عاصمتها بلفاست) العضو في الاتحاد الأوروبي.
سبائك أو قطع
ميريون فولتس أقام شركته في الطابق السفلي من مبني يضم مكاتب، ولا تعلن الشركة عن وجودها إلا من خلال لوحة تشير فقط إلي »‬ميريون برايفت».
ويصطف في مقر الشركة ما لا يقل عن ثلاثة آلاف صندوق أمانات لا يمكن الوصول إليها إلا بعد المرور ببهو أمني يخضع للحراسة وبعد مسح للبصمات ودفع باب معدني ثقيل. ولا يعرف محتوي الصناديق إلا أصحابها لكن سيموس فاهي يؤكد أن الكثير منها تحوي ذهبا.
وأنفق الكثير من الزبائن ما يزيد عن 500 ألف جنيه استرليني (560 ألف يورو) لتخزن ما يقيهم التقلبات. والمنتجات الأكثر شعبية هي سبائك أو قطع الذهب من فئة أونصة (31 جراما تقريبا) وتبلغ قيمة »‬الكروجيراند» الجنوب إفريقي و»المابل ليف» الكندي أو »‬برتانيا» البريطاني، نحو 1100 جنيه استرليني (1230 يورو). وزادت قيمتها بنحو 10% في الأشهر الستة الأخيرة، بحسب ميريون فولتس.
وبعد استفتاء يونيو 2016 الذي كرس فوز أنصار الخروج من الاتحاد الاوروبي، تراجعت قيمة الجنيه الاسترليني إلي أدني مستوي لها منذ 1985 مقابل الدولار في حين بدأ ارتفاع سعر الذهب مع مكاسب تاريخية بلغت 22 % من قيمة الذهب بما يعادله من العملة البريطانية. وفي ديسمبر 2018 حين أجلت رئيسة الوزراء تيريزا ماي في آخر لحظة تصويت مجلس العموم علي اتفاق بريكست، لتفادي هزيمة مؤكدة، لاحظ سيموس فاهي »‬ارتفاعا كبيرا» في الطلب حيث إن احتمال تراجع العملة البريطانية جعل المستثمرين يشعرون بالتوتر.
وأوضح سيموس أنه في »‬وقت الأزمات دائما ما نلاحظ ما يعرف بالهروب الي الأمان Flight to safety حيث يتجه الناس إلي السندات الأمريكية وسكائب الذهب والفرنك السويسري وغيره».ويشكل مستقبل وضع مقاطعة أيرلندا الشمالية مع »‬شبكة الأمان» المقررة في اتفاق بريكست لتفادي إعادة اقامة حدود داخل أيرلندا، عقدة اتفاق بريكست ما زاد منسوب القلق في الجزيرة.
ألستير هيويت، مسؤول في المجلس العالمي للذهب، قال إن »‬كثيرا ما تغذي أحداث محلية الطلب المحلي». لكن في باقي أنحاء بريطانيا، اعتبر أن الإقبال علي الذهب المرتبط ببريكست قد يكون بلغ ذروته أساسا. وأوضح »‬في السنتين الأخيرتين قد يكون الإقبال تراجع قليلا. أعتقد أن الكثير من المستثمرين يعانون علي الأرجح قليلا من الملل من بريكست».