شئون خارجية

ميليشيات »العبودية والاتجار بالبشر« تخطف ليبيا


عــلاء عــزمــي
2/12/2019 1:18:20 PM

مجددًا، عادت أحاديث تجارة البشر واستعبادهم في ليبيا من قبل عصابات محترفة تعمل في إطار الجريمة المنظمة أو ميليشيات تحظي بغطاء سياسي، إلي واجهة الأحداث، ولكن هذه المرة ليس عبر غرق قارب مكتظ بمئات المهاجرين غير الشرعيين كما جرت العادة خلال السنوات الأخيرة، وإنما من خلال تحقيق استقصائي لمجلة »دير شبيجل»‬ الألمانية العريقة.

المجلة الألمانية قطعت بلا مواربة أن معسكرات إيواء المهاجرين غير الشرعيين في ليبيا تحولت إلي نافذة لتجارة البشر، فيما أن حالة اللاجئين والمهاجرين هناك أصبحت كارثية، حيث يعيشون غالبًا في ظروف غير إنسانية، قبل أن يتم بيعهم للعمل في السخرة وبدون أجر، ناهيك باستغلال بعضهم جنسيًا أو استعبادهم جسديًا.  
وتعد ليبيا بلد عبور مهما للاجئين والمهاجرين غير الشرعيين الذين يريدون الوصول إلي أوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط. وفي عام 2017، تسبب تحقيق استقصائي مصور لقناة »‬NN الإخبارية الأمريكية في إثارة ضجة حول العالم، حيث تبين كيف تم بيع المهاجرين في الأسواق كالعبيد مقابل حفنة من الدولارات دون رقيب أو حسيب.
وكان رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر قد أعلن مؤخرًا عن صدمته من الأوضاع في ليبيا. وقال في مقابلة صحفية »‬لا أستطيع أن أنام بشكل سليم بسبب التفكير فيما يحدث لهؤلاء الأشخاص في ليبيا ممن يبحثون عن حياة أفضل فيما أنهم يجدون الجحيم هناك». وتابع »‬علي أوروبا ألا تصمت أمام هذه المشاكل المذهلة التي تأتي من قرن آخر».
وأضاف: »‬لقد كنت مصدوماً للغاية عندما سمعت تقارير تفيد بأن اللاجئين في ليبيا كانوا يباعون كالعبيد». وأضاف »‬حتي قبل شهرين، لم أكن أعرف أن المشكلة قد وصلت إلي تلك الدرجة»..
وسلطت كندا مؤخرًا الضوء علي القضية بطريقة مبتكرة، معلنة أنها بصدد استقدام 750 مهاجرًا متواجدين في البلد العربي الغارق في دوامة الفوضي الأمنية إلي أراضيها كإسهام من جانبها لمحاربة تلك الظاهرة الخطيرة.
كندا تريد وبوضوح استيعاب المئات من المحتجزين في ليبيا مثل »‬الرقيق»، ومن ثم تزويدهم بمقرات إقامة وفرص جديرة للحياة.
وعمومًا وحسب دراسة للباحث المغربي أحمد بوخريص، نشرها في المركز الديمقراطي العربي، تحت عنوان »‬الاتجار في البشر بليبيا.. نخاسة القرن 21»، فقد »‬تجاوزت ظاهرة الاتجار بالبشر في السنوات الأخيرة قدرات الحكومات والمنظمات الدولية، خاصة أن هناك الآلاف من النساء والرجال والأطفال الذين دفعتهم ظروفهم الاقتصادية المتدهورة، أو الكوارث الطبيعية والأزمات، أو مجرد الرغبة في تحسين ظروف معيشتهم، إلي أن يكونوا محلًّا للاتجار والاستغلال من أصحاب النفوس الضعيفة والعصابات الإجرامية».
ويُعرف الباحث المصري عبد الماجد علوان الربيعي، الاتجار بالبشر باعتباره »‬شكلًا من أشكال الرق الحديث، وقد أخذت هذه التجارة تستفحل حتي باتت تشكل واحدة من أكثر أنواع التجارة درًّا للأرباح في العالم ،إلي جانب الاتجار غير المشروع بالأسلحة والمخدرات، إذ تدر مليارات الدولارات سنويًّا علي العصابات الإجرامية، وكذلك علي الأفراد مرتكبي هذه الجريمة والمسهلين لارتكابها، غير أن ضحايا هذه الجريمة لا يرون شيئًا من هذه الأرباح الضخمة، بل يعانون وطأة الاستغلال والألم البدني والصدمة النفسية»..
وكانت منظمات دولية أوروبية قدرت أرباح شبكات تهريب البشر، حيث تمثل ليبيا مركزًا مؤثرًا لها، بنحو ستة مليارات دولار في 2015..
وبالعودة إلي دراسة الباحث المغربي أحمد بوخريص، فإنها تشير بوضوح إلي أن »‬حالة الفراغ السياسي والأمني الذي تعيشه ليبيا جعلها هي ذاتها فريسة لهذه الظاهرة، مما قد يزج بها إلي نتائج غير محمودة العواقب وهي الدولة الضعيفة غير القادرة حتي علي حماية مواطنيها من مخالب الميليشيات وجرائمهم». وفي الوقت ذاته »‬تحول هذا البلد الممزق إلي ممر رئيسي لتهريب البشر من القارة الإفريقية إلي أوروبا، وعلي مدي السنوات الماضية تدفق آلاف المهاجرين إلي دول القارة العجوز».
وحتي نهاية العام 2017 »‬عبر أكثر من 100 ألف شخص البحر للوصول إلي أوروبا من ليبيا، كما ذكرت منظمة الهجرة الدولية التابعة للأمم المتحدة، ويقدر عدد الذين لقوا حتفهم في عمليات العبور هذه بأكثر من 2300»، غير أن ذلك لا يردع تجار البشر في ليبيا ممن أصبحوا يقبضون علي »‬مصدر ثراء فاحش».
ووثقت منظمات حقوقية دولية وإقليمية عدة أهوال التعذيب التي يعيشها الضحايا من المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين علي وجه التحديد، وأفاد بعضهم من دولة مالي في فيديوهات متاحة علي موقع يوتيوب، بأنهم »‬ذاقوا أصنافاً من التعذيب الجسدي والنفسي والإكراه علي الأعمال الشاقة من دون رحمة، كذلك جري احتجازهم أياماً من دون طعام، وتهديدهم بالقتل في كلّ مرة يحاولون فيها أن يرفعوا أصواتهم مطالبين بأيّ شيء حتي لو كان قضاء الحاجة الطبيعية»..
تلك الشهادات فضحت »‬مليشيات ليبية تحترف الاتجار بالبشر، تقوم بتهريبهم وبيعهم من دون أن تتحرك السلطات لردعها، إذ تستغلّ الميليشيات حلم المهاجرين بالوصول إلي أوروبا ،لاحتجازهم وامتهان كرامتهم وبيعهم لاحقاً في أسواق نخاسة لمن يدفع أكثر».
ومن المؤسف أن تجارًا للبشر ينتظمون في صورة ميليشيات تسيطر علي »‬مراكز الإيواء والاحتجاز للمهاجرين واللاجئين في مدن سبها وأوباري والشويرف بجنوب البلاد، وفي جنزور والزاوية وصبراتة والخمس والقرة بوللي وتاجوراء  في غربها».
وتصل الجرائم إلي »‬حد البيع والاسترقاق»، فضلًا عن إجبار اللاجئين علي »‬العمل بالسخرة في أعمال البناء والنظافة والزراعة ورفع البضائع»، إلي جانب »‬احتجازهم في سجون ومقار احتجاز لإجبار عائلاتهم علي دفع أموال للعصابات» مقابل إطلاق سراحهم.
وحسب إحصاءات أصدرتها منظمة الهجرة الدولية التابعة للأمم المتحدة في أغسطس 2017، فهناك في ليبيا »‬700 ألف مهاجر، بينهم 12 ألفا كانوا ينوون العبور إلي أوروبا، لكنهم ظلوا عالقين».
وكانت المنظمة ذاتها أفجعت العالم منتصف العام 2017، بإعلانها وجود »‬أسواق نخاسة في ليبيا يباع فيها المهاجر بما بين 200 و500 دولار لأجل استغلاله في العمل دون مقابل».
وتقول الأمم المتحدة، إن 77% من الأطفال والشباب المهاجرين الذين شرعوا في العبور إلي شمال البحر المتوسط، تعرضوا لعمليات خسيسة للاتجار بالبشر والاعتداء الجنسي داخل ليبيا.
وهناك جماعات وتنظيمات مسلحة تسيطر علي حركة الاتجار بالبشر في ليبيا. منها ميليشيا »‬الشهيد أنس الدباشي» بقيادة أحمد الدباشي، وتستحوذ علي غالبية العمليات في صبراتة، وهي جماعة تمتلك طموحات سياسية ومن ثم تقايض حكومة الوفاق الليبية برئاسة فائز السراج والمعترف بها من جانب الأمم المتحدة، لترشيد تجارتها البشعة مقابل التحصل علي مناصب وزارية، فيما تتردد أنباء عن حصولها علي أموال ضخمة من روما لأجل تخفيف العبء علي القوات البحرية الإيطالية التي تطارد المهاجرين غير الشرعيين في البحر المتوسط.
وكشفت تقارير إعلامية عن تورط ميليشيات أخري في عمليات تهريب وتجارة البشر، منها »‬مصعب أبو قرين» بصبراتة، و»‬جماعة محمد البعبيو» وتنظيم »‬الحسن الدباشي» بمدينة صرمان. إلي جانب ميليشيا »‬محمد القصب» وجماعة »‬الكرو» بمدينة الزاوية.
وجراء الوضع الاقتصادي المتدهور، دخلت قبائل عدة علي خط الاتجار في البشر، فيما أن هناك سلسلة متصلة من السماسرة من المغرب والجزائر وليبيا، يقومون بنقل المهاجرين غير الشرعيين الطامحين في الوصول إلي أوروبا عبر قوارب الموت المنطلقة من ليبيا، في رحلة تحركات معقدة وطويلة مقابل 5 آلاف دولار علي الأقل، وفق هيئة الإذاعة الألمانية، دويتشه فيله.
وهناك اتهامات متواترة بأن أطرافًا في الحكومات الليبية المتناحرة، وبالأخص الوفاق الوطني برئاسة فائز السراج، أو تلك المؤقتة الرابضة في الشرق تحت لواء المشير خليفة حفتر، إما متورطة في عمليات الاتجار بالبشر أو في غض الطرف عن أنشطتها الإجرامية لأسباب سياسية وأمنية وخاصة في المنطقة الحدودية، كالكفرة المتاخمة لتشاد، غير أن الحكومتين تنفيان تلك المزاعم جملة وتفصيلًا.
ويزيد من الأمور تعقيدًا أن أفرادًا أو عصابات لا تمتلك هياكل تنظيمية راسخة تسيطر علي جزء غير قليل من تجارة البشر في ليبيا، فوفق باحثين إيطاليين فإن »‬شبكات التهريب التي تحرك المهاجرين من منطقة القرن الإفريقي إلي شمال أوروبا عبر ليبيا، لا تملك أي هيكل تنظيمي تعمل من خلاله، بل إن عملها بعيد كليًا عن عمل شبكات المافيا المنظمة»..
وتسعي أوروبا إلي تأسيس معسكرات لإيواء اللاجئين في مصر وبلدان المغرب العربي مقابل منحها مساعدات اقتصادية أوروبية سخية، وهو المطلب الذي كانت تتبناه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، غير أن القاهرة فضلًا عن الجزائر والرباط رفضت ذلك المقترح كليًا، كما أن فكرة إقامة تلك المعسكرات في ليبيا ذاتها وفي ظل ذلك الصراع العسكري والسياسي تبدو غير عملية علي الإطلاق.
وعلي هذا النحو تسعي دول الجوار الليبي فضلًا عن بلدان الاتحاد الأوروبي المعنية كفرنسا وإيطاليا وألمانيا، إلي معالجة الموضوع من المنبع، بمحاولة فرض السلام والاستقرار الأمني في ليبيا، ومنح الدول الإفريقية المصدرة للهجرات غير الشرعية كمالي وتشاد وجنوب السودان حوافز اقتصادية لتحسين الأوضاع المعيشية لشعوبها، مع تدريب حرس الحدود في بعض دول الشمال الإفريقي علي عمليات المراقبة ومكافحة تهريب البشر، أضف إلي ذلك توسيع الأمم المتحدة لجهودها الدولية لإيجاد اتفاقات ملزمة للجميع في ملف المكافحة.. فهل من سبيل لإنقاذ ليبيا والدول المحيطة بها من تلك الكارثة قريبًا؟..