شئون خارجية

بوتفليقة.. من بطل ضد الاستعمار إلي كهل هزمه المرض


محمد عبدالفتاح
4/9/2019 2:49:10 PM

أقر المجلس الدستوري في الجزائر حالة الشغور النهائي لرئاسة الجمهورية بعد ساعات من استقالة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، ويتسم المشهد السياسي في بلد المليون شهيد حاليا، بحالة من الغموض حول مستقبل السلطة، في ظل حالة التنافس بين الأجنحة المدنية والعسكرية، لا سيما أن الشارع يرفض أن يتولي رئيس مجلس الأمة الحالي رئاسة الدولة بدلا من بوتفليقة، لأنه محسوب علي جناح الرئيس المستقيل، ولذلك الشارع يرفض الحكومة مثلما يرفض عبدالقادر بن صالح ويطالب برحيل الجميع وهذه كلمة »فضفاضة»‬.

يبدو التحدي الأكبر في الوقت الراهن هو إجراء انتخابات رئاسية في  ظروف واضحة.. انتخابات حرة ونزيهة تسمح للجزائر بالتخلص من كل الوجوه التي تورطت في الفساد وفي الأزمة التي تعيشها البلاد. وإلي أن تظهر معالم المرحلة المقبلة، يمكن النظر إلي مسيرة الرئيس المستقيل بنظرة محايدة من خلال تواريخ وحقائق مثبتة.
الرئيس  بوتفليقة، الذي استقال الأسبوع الماضي، بعد أن قاوم الاحتجاجات ضده لأسابيع، وطد لدعائم حكمه من خلال وضع نهاية لحرب أهلية مدمرة شهدتها الجزائر في حقبة التسعينيات وعُرفت باسم »‬العشرية السوداء»، لكن الوضع تغيّر بسبب الفساد والركود الاقتصادي. ولم يظهر بوتفليقة صاحب الـ82 عاما، وأحد أبطال حرب الاستقلال عن فرنسا، في مناسبة علنية علي مدار السنوات الست الماضية إلا فيما ندر، حيث  أصيب بجلطة، عام 2013، أفقدته القدرة علي النطق، وألزمته مقعدا متحركا. وهو مشهد متناقض جدا مع بداية ولايته الأولي عام 1999حين نال أصوات 80% من الناخبين، وكان قياديا كثيف الحركة في بلاده والعالم، وخطيبا مفوها. وفي سن 26 عاما كان »‬بوتف» أصغر وزير خارجية في العالم.
 بوتفليقة حاول صد موجات الغضب الشعبي، التي بدأت في 22 فبراير الماضي، من خلال التراجع عن قراره السعي لنيل ولاية خامسة في رئاسة البلاد. لكنه لم يقل متي سيترك الحكم مما زاد المحتجين غضبا. وقالت وكالة الأنباء الجزائرية إنه قدم استقالته بعد أن طالب رئيس أركان الجيش بتطبيق فوري لإجراءات دستورية لعزله من منصبه.
 كان بوتفليقة من المناضلين في حرب 1954 - 1962 التي وضعت نهاية للحكم الاستعماري الفرنسي، ثم أصبح أول وزير للخارجية عقب الاستقلال، وأحد الوجوه الرئيسية التي وقفت وراء حركة عدم الانحياز ومنحت إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية صوتا علي الساحة العالمية.
ناصر بوتفليقة الدول التي ظهرت في أعقاب العصر الاستعماري، وتحدي ما اعتبرها هيمنة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، وساعد في جعل بلده مهدا للتوجهات المثالية في ستينيات القرن العشرين. واستقبل بوتفليقة المناضل الأرجنتيني تشي جيفارا، وكذلك من خلاله تلقي نيلسون مانديلا في شبابه أول تدريب عسكري له في الجزائر. كما منحت الجزائر حق اللجوء للناشط والكاتب الأمريكي إلدريدج كليفر الذي كان من أوائل قادة حزب الفهود السود. واستقبل كليفر في البيت الآمن الذي كان يقيم فيه في العاصمة الجزائرية الناشط الأمريكي تيموثي ليري المدافع عن تعاطي المخدرات في العلاج النفسي وأحد قيادات حركة الثقافة المضادة في الولايات المتحدة. كما دعا بوتفليقة بصفته رئيسا للجمعية العامة للأمم المتحدة ياسر عرفات لإلقاء خطاب أمام المنظمة الدولية في 1974 في خطوة تاريخية صوب الاعتراف الدولي بالقضية الفلسطينية. إلا أنه بنهاية السبعينيات انقلبت الأمور علي بوتفليقة في الداخل وسافر للعيش خارج البلاد. ثم عاد إلي الحياة العامة خلال صراع مع متشددين إسلاميين سقط فيه ما يقدر بنحو 200 ألف قتيل. وانتخب بوتفليقة رئيسا للمرة الأولي عام 1999 وتفاوض علي هدنة لإنهاء القتال وانتزع السلطة من المؤسسة الحاكمة التي تكتنفها السرية وترتكز علي الجيش.
وبفضل إيرادات النفط والغاز تحسنت الأوضاع في الجزائر وعمها قدر أكبر من السلام وأصبحت أكثر ثراء. لكن لا يزال الفساد والركود السياسي والاقتصادي متفشيا فيها في منطقة أدت الانتفاضات الشعبية بها إلي تغيير نظم الحكم في دول مجاورة. وبفضل الحماية التي وفرتها احتياطيات النقد الأجنبي الضخمة المتاحة لها وتخوف شعبها من الاضطرابات الشديدة بعد الحرب الأهلية تجنبت الجزائر انتفاضات الربيع العربي التي أطاحت بقادة دول أخري في المنطقة في العام 2011. غير أن الاحتجاجات علي سوء مستويات المعيشة ونقص فرص العمل والخدمات أصبحت شائعة ويتطلع المستثمرون الأجانب لتطبيق إصلاحات اقتصادية تقضي علي البيروقراطية التي تعوق النشاط في كثير من الأحيان.
 باسم العالم الثالث
يقول بعض المؤرخين إن بوتفليقة وُلد في تلمسان بغرب الجزائر، ولكن آخرين يقولون إن مدينة وجدة المغربية علي الجانب الآخر من الحدود هي مسقط رأسه. وفي سن التاسعة عشرة انضم بوتفليقة للثورة علي الحكم الفرنسي تحت رعاية هواري بومدين القائد الثوري، الذي أصبح ثاني رئيس للجزائر بعد الاستقلال، إثر انقلاب علي الرئيس الأول أحمد بن بله عام 1965.
وبعد الاستقلال أصبح بوتفليقة وزيرا للشباب والسياحة وهو في الخامسة والعشرين من عمره. وفي العام التالي عُيِّن وزيرا للخارجية. وأصبح بوتفليقة بملابسه الأنيقة والنظارات الشمسية التي راجت في الستينيات متحدثا باسم الدول التي خرجت للنور بعد انتهاء الحكم الاستعماري. ومنحته السمعة التي اكتسبتها الجزائرمن هزيمة فرنسا سلطة إضافية.
وطالب بوتفليقة بأن تحصل الصين الشيوعية علي مقعد في الأمم المتحدة. وندد بنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.
وأثارت دعوة عرفات لإلقاء كلمة أمام الجمعية العامة عاصفة. فقبل عامين فقط من ذلك الحدث احتجز مسلحون فلسطينيون أعضاء في الفريق الرياضي الإسرائيلي في دورة الألعاب الأوليمبية في ميونيخ كرهائن وقتلوهم عام 1972. وشاهد بوتفليقة من منصة الرئاسة عرفات وهو يخاطب الجمعية العامة في نيويورك متمنطقا بجراب مسدس.
وعندما خطف إليتش راميريز سانشيز، المعروف بكارلوس الثعلب، والمؤيد للقضية الفلسطينية وزراء نفط من اجتماع لأوبك في فيينا عام 1975، طالب بنقله جوا مع الرهائن إلي مدينة الجزائر. والتقطت الكاميرات لقطات لبوتفليقة وهو يعانق كارلوس في المطار قبل أن يجلس الاثنان للتفاوض علي إطلاق سراح الرهائن.
عودة من المنفي
بعد فترة من المنفي في دبي وجنيف، فاز بوتفليقة بدعم من الجيش، في الانتخابات الرئاسية في أبريل 1999.. انتخابات خاضها وحيدا بعد انسحاب ستة منافسين نددوا بما قالوا إنه تزوير. وكانت الجزائر حينها في أوج الحرب الأهلية التي اندلعت في 1992 ضد الإسلاميين. وخلّفت تلك الحرب، بحسب حصيلة رسمية، نحو 200 ألف قتيل. وعمل الرئيس الجديد حينها علي إعادة السلم في بلاده.
وفي سبتمبر 1999، صوّت الجزائريون بكثافة في استفتاء علي قانون عفو عن المسلحين الإسلاميين الذين لم يقترفوا جرائم قتل أو اغتصاب وقبلوا بتسليم أسلحتهم. وأعقب ذلك استسلام آلاف الإسلاميين. في 2005، أُجري استفتاء جديد يعفو عن ممارسات قوات الأمن أثناء الحرب الأهلية.
وعمل بوتفليقة الذي اتهمه خصومه بأنه دمية بيد الجيش، علي تفكيك نفوذ هذه المؤسسة القوية في الحكم، ووعد بأنه لن يكون »‬ثلاثة أرباع رئيس».
وأعيد انتخابه كل مرة من الدورة الأولي، في 2004 (85 % من الأصوات)، و2009 (90%)، وذلك بعد تعديل الدستور الذي كان يحدّ الولايات الرئاسية باثنتين.
عندما تُوفي الرئيس هواري بومدين عام 1978 فقد بوتفليقة مرشده، وتم عزله من منصب وزير الخارجية وبدأ التحقيق معه في مخالفات مالية. وقال بوتفليقة إن هذه الاتهامات ملفقة في إطار مؤامرة سياسية. وغادر الجزائر في أوائل الثمانينيات واستقر في دبي حيث أصبح مستشارا لأحد أفراد الأسرة الحاكمة في الإمارة. وعاد إلي وطنه في 1987 لكنه عزف عن الأضواء ورفض عروضا للعمل في مناصب حكومية.
في الوقت نفسه كانت الأوضاع قد بدأت تتدهور في الجزائر. وألغت الحكومة المدعومة من المؤسسة العسكرية انتخابات برلمانية في 1992 كان الإسلاميون علي وشك الفوز فيها. وفيما أعقب ذلك من صراع وقعت مذابح راح ضحيتها سكان قري بكاملها وتعرض المدنيون في شوارع المدن للذبح. وبدعم من الجيش انتخب بوتفليقة رئيسا للبلاد في 1999 بعد أن تعهد بوقف القتال. وفي مواجهة معارضة ضارية من مؤسسة الحكم أصدر عفوا عن المتشددين الذين ألقوا السلاح. وانحسر العنف بصورة كبيرة.
وأعيد انتخابه في 2004 ثم في 2009 رغم أن خصومه قالوا إن الانتخابات شهدت تزويرا. ومن خلال سلسلة من المعارك الضارية علي النفوذ مع قوي الأمن خلف الكواليس أصبح بوتفليقة مع بداية فترة ولايته الثالثة أقوي رئيس تشهده الجزائر علي مدار 30 عاما. وفي العام الماضي شدد قبضته علي السلطة بعزل أكثر من عشرة من كبار قيادات الجيش.
ولا يُعرف شيء يذكر عن حياته الخاصة. فلا تذكر السجلات الرسمية له زوجة رغم أن البعض يقولون إنه تزوج عام 1990. وعاش بوتفليقة مع والدته منصورية في شقة بمدينة الجزائر حيث اعتادت أن تعد له الطعام.
وبلغ بوتفليقة من الكبر عتياً وحل به المرض. وأجري أطباء فرنسيون جراحة له في 2005 لعلاج ما وصفه مسؤولون بقرحة في المعدة. وجاء في برقيات دبلوماسية أمريكية مسربة أنه مصاب بالسرطان. ونال منه الضعف بعد أن توفيت والدته في 2009.
وقال بوتفليقة في خطاب ألقاه في سطيف بشرق الجزائر في مايو عام 2012 إن الوقت قد حان لأن يسلم جيله الراية لقيادات جديدة. وبعد شهور وفي أوائل 2013 أصيب بجلطة دخل علي إثرها مستشفي في باريس لمدة ثلاثة أشهر. ولم يشاهد علانية إلا قليلا منذ ذلك الحين بعد عودته للجزائر للنقاهة.