فنون

عبد الوهاب.. 116 عاما في بحر الموسيقي

ذكري ميلاد موسيقار الأجيال


3/13/2018 12:49:00 PM

تمر الذكري الـ 116 لميلاد موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب عبدالوهاب، هو أحد رموز جيل العمالقة الذين أنجبتهم مصر، قدم الإبداع الراقي الجميل، ولهذا لا يمكن الحديث عن الثقافة المصرية في أزهي عصورها بعيداً عن عبدالوهاب الفن والصدق والأصالة.

وإذا حاولنا أن نحدد أكثر رموزنا الفنية تأثيراً وعمقاً في الوجدان العربي طيلة خمسين عاماً لحنا وغناء فإن عبدالوهاب أولهم، إن حياة عبدالوهاب تمثل تاريخ وجدان شعب، وفنا راقيا، وعطاءً جميلا. ولهذا يصعب علي الإنسان أن يضع صورة كاملة لمسيرته الفنية.
تمر ذكري ولادته، لكن من الصعب أن نحدد عمر هذه الذكري وهذا العبقري، ففي يوم 13من شهر مارس من إحدي السنوات، وُلد الموسيقار ومطرب الأجيال عند العرب محمد عبد الوهاب، في حي باب الشعرية بالقاهرة، لكن ما بقي لغزاً طوال حياته، وحتي رحيله، الذي مر عليه في هذا العام أكثر من ربع قرن، هو سنة ميلاده، هل هي 1910، أم 1902، أم 1900، أم 1898..
ما كان متداولاً في أثناء حياة محمد عبد الوهاب، هو أن تاريخ ميلاده المسجل في جواز سفره، وفي بطاقة هويته، يقع في العام 1910، وقد كان هذا الرقم هو المتداول في أحاديث عبد الوهاب الصحفية. لكن سلسلة من الأحداث الفنية في حياة هذا الموسيقار، خاصة في سنواته الأولي، تؤكد أن هذا التاريخ لا يتطابق مع أحداث حياته.
في مذكرات الشاعر المصري المعروف أحمد رامي التي نشرت في ست حلقات، يقول في إحداها إنه تعرف إلي محمد عبد الوهاب للمرة الأولي وهو مطرب ناشئ موهوب في العام 1915، طبعاً، لا يعقل أن يكون هذا اللقاء قد تم بينما عبد الوهاب في الخامسة من عمره "1910-1915"!.. من الثابت أيضاً أن محمد عبد الوهاب قد تعرف إلي سيد درويش، وعمل معه في سنوات سيد درويش الثلاث الأخيرة (١٩٢١/١٩٢٣)، وأن سيد درويش مرض عند تقديم مسرحيته الشهيرة »شهرزاد»‬، فأوكل إلي محمد عبد الوهاب أن يلعب دوره في المسرحية، مما يؤكد أن ذلك كان مستحيلاً لو أن عبد الوهاب كان فتي في الحادية عشرة من عمره أو الثانية عشرة.
وفي أحد أعوام عقد السبعينيات من القرن العشرين، زارت محمد عبد الوهاب عالمة موسيقية روسية، كانت تدرِّس في كونسرفتوار تشايكوفسكي (كانت إحدي أساتذة المايسترو سليم سحاب عند دراسته في ذلك المعهد)، وكانت تعدُّ موسوعة عن الموسيقي العربية، فطلبت إلي الموسيقار عبد الوهاب أن يصدقها الخبر بشأن التاريخ الصحيح لعيد ميلاده، لتنشره في الموسوعة. وأكدت له (من باب الحرص والتشجيع) أن هذه الموسوعة ستطبع فقط بالروسية، أي أن تاريخ ميلاده الحقيقي سيبقي شبه سري. فضحك الموسيقار وأكد لها أنه مولود في العام 1902.
غير أن الأديب المصري الكبير توفيق الحكيم، الذي كان صديقاً حميماً ومن أقرب أصدقاء عبد الوهاب منذ النصف الأول من القرن العشرين، وكتب له قصة فيلمه السادس رصاصة في القلب، كان يؤكد أنه من نفس جيل عبد الوهاب، وأن كليهما قد وُلد قبل عامين علي الأقل من بداية القرن العشرين، أي في العام 1898.
ولو اعتمدنا تاريخ الميلاد الذي كان يردده ويؤكده توفيق الحكيم، فإننا سنري أن هذا التاريخ يصبح متطابقاً منطقياً مع كل مراحل حياة عبد الوهاب الفنية، خاصة في بداياته الأولي. فهو مثلاً انطلق إلي شهرته المدوية كمطرب أول وملحن أول، منذ إطلاق قصيدة يا جارة الوادي في العام 1927. فهل كان عمره فقط عندئذ سبعة عشر عاماً؟ (لو كان تاريخ ميلاده الصحيح هو 1910). الأرجح أنه كان قد اقترب من الثلاثين من عمره، وذلك يبدو في نضج صوت عبد الوهاب واكتمال رجولته في قصيدة "يا جارة الوادي". كما يكون قد عمل مع سيد درويش وهو في الثانية والعشرين من عمره، الذي يبدو أمراً منطقياً، كما يكون قد تعرف إلي أحمد رامي للمرة الأولي وهو في السابعة عشرة من عمره، وكلها أمور منطقية.
لذلك تبدو السنة 1898 هي السنة الأشد دقة لتحديد تاريخ ميلاد محمد عبد الوهاب، والأكثر تطابقاً مع كل أحداث حياته الفنية المديدة، من أولها وحتي آخرها.
وإذا علمنا أن رحيل عبد الوهاب كان في الرابع من مايو من عام 1991، فمعني ذلك أنه رحل عندما كان في بداية عامه الرابع والتسعين، وهكذا ينتظم هذا التاريخ مع كل أحداث حياته الشخصية والفنية، ويحل أخيراً اللغز الذي تعمد محمد عبد الوهاب طوال حياته أن يحيط به التاريخ الحقيقي لميلاده، بذلك، يكون العقد الأخير من القرن التاسع عشر، قد شهد ميلاد كل عباقرة النصف الأول من القرن العشرين في الموسيقي العربية بالتسلسل: سيد درويش 1892، محمد القصبجي 1892، زكريا أحمد 1896، محمد عبد الوهاب 1898، أما رياض السنباطي، فكان ميلاده في العام 1906،  وكان أصغر هؤلاء العباقرة سناً.
شركة التاكسيات
الموسيقار الراحل كان موضع اتهام وتهكم في فترة معينة في الصحافة بسبب امتلاكه لشركة تاكسيات في القاهرة، وهو كان بيزنس ضخما، وكان الصحفي الكبير جليل البنداري يقول دائما"هل تعرف أن فلوسك التي تدفعها لسائقي التاكسي كل يوم تذهب إلي جيب محمد عبد الوهاب.. هذا المليونير الأصلع الذكي" فكيف كان يتقبل هذا الكلام؟
كان يضحك ويسخر منه وكان »‬بيكبر دماغه» ولا يعلق ولا يرد علي مثل هذا الكلام، وكان يري أنه لو صحفي شتمه أو قال عليه شيئا غير حقيقي يكون له غرض ولكن الملايين بتقدره وبتحترم فنه، وبالمناسبة البيزنس مش عيب وأنا أعتبره شطارة وذكاء وعدد كبير من عمالقة الفن كانوا يمتلكون بيزنس تأمين لمستقبلهم ومستقبل أبنائهم، ولكن عبد الوهاب لم يكن له أي عمل غير فنه وهو العمل الوحيد الذي كسب منه مالا طوال حياته وعندما أسس شركة صوت الفن كان شركة إنتاج فني خالصة وغير ذلك لم يعرف عبدالوهاب أي نوع آخر من العمل.
عاشق الحياة
من بين القصص الطويلة التي يقدمها عبد الوهاب في الجزء الأخير من أوراقه تلك المتعلقة بخبراته في الحياة ومنه علاقته بالطيران ولماذا كان يخشي ركوب الطائرة؟ يجيب عبد الوهاب قائلا: من أسباب مخاوفي من ركوب الطائرة أن الله سبحانه  وتعالي لم يخلق الإنسان معدا للطير، خلقه وله ما يساعده علي السباحة خلقه وطبيعته المشي، والجر، ولكنه لم يخلق له جهاز طيران، إنه حيوان برمائي وليس حيوانا سمائيا، ويضيف عبد الوهاب: عندما ركبت الطائرة أخيرا أجبرتني زوجتي وهي بجانبي أن أنظر من الشباك علي الأرض وأستمتع بجمالها الفتان، نظرت وكأنني أمر علي سجاجيد متلاصقة عجمي وصيني من كل الأنواع، وفي كل  لحظة تسحب من تحتي سجادة بنقوشها الخاصة وتحل محلها سجادة أخري تختلف عن سابقتها ثم تسحب ويجيء غيرها وهذا طوال  طيران الطائرة .. علي الأرض أري هذه الرقع ماكيتات من البيوت والعمارات والشوارع وعربات السكة الحديد وسيارات ضئيلة الحجم كأنها ماكيتات تمثل الماكيتات التي كان يشتريها لي أبي وأنا  صغير.