فنون

السينما المصرية بداية لا تعرف نهاية (2)


طــارق الشناوي
9/4/2018 11:12:46 AM

نواصل رصد (بورتريه) السينما المصرية التي تجسدت ملامحها في القرن الأخير، الرؤية الاقتصادية تُطل دائما بقوة في كل التفاصيل السينمائية، ولو تأملتها ستكتشف أن هناك معادلة اقتصادية تحرك المنظومة برمتها وبالتالي  لسنا بعيدين أبدا عن تلك القواعد الصارمة لأنها في الحقيقة صاحبت السينما في العالم كله منذ لحظة ميلادها وتشعبت مع مرور الزمن.
مشروع إنشاء »سينماتيك»‬ لايزال حلماً
عندما أطلت علينا السينما عالميا قبل أن يودعنا عام1895 بأيام قلائل وتحديدا 28 ديسمبر، حيث أعلنت من خلال هذا الاختراع بزوغ حياة جديدة بكل مفرداتها، وكأنها تصر علي ألا يفوتها هذا العام من القرن التاسع عشر، حيث تمكن الأخوين (لوميير)  لويس وأوجست، من عرض أول أفلامهما في (جراند كافييه) بباريس وهو (الخروج من مصنع) زمن الشريط  لا يتجاوز 45 ثانية فقط لاغير، إلا أنها كانت كفيلة بإعلان قدوم عصر جديد، السينما بالفعل لعبت دورها في إعادة النظر للكثير من أنماط الحياة.
تاريخ بداية انطلاق السينما كان ولا يزال مدينا لكل المحاولات السابقة علي هذا التاريخ، ولكن هذه الجهود في نهاية الأمر أسفرت عن ولادة هذا الفن في تلك اللحظة التاريخية، لا حظ أن الثمن  للدخول إلي دار العرض كان فرنكا واحدا، و(الفرنك) هو العملة الفرنسية قبل توحيد العملة (اليورو) في العديد من الدول الأوروبية، والمغزي من تحديد قيمة التذكرة، هو أن السينما لها بُعدها التجاري، المشاهدة ليست مجانية ولكن هناك شباك تذاكر وصناعة يجب أن تستمر بإرادة الجمهور، من خلال إقباله علي الشريط، فهو في النهاية خاضع لقانون السوق.
السينما ولأنها فن عالمي عابر للثقافات والحدود والدول، فإن الدخول في هذا العالم يعني تغييرا عالميا يتضمن كل مظاهر الحياة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا ونفسيا، السينما كانت وستظل فنا وصناعة وتجارة، استقرار أو توقف  أو ازدهار السينما مرهون في الحقيقة بالمؤشر الدائم وهو قانون العرض والطلب، ولهذا ينبغي أن نُطل علي السينما من تلك الزاوية، ومن خلال ذلك تستطيع ببساطة أن تحدد الاتجاهات السينمائية وأن تقرأ أيضا توقعات التيار القادم، وعن أي قيم تدافع تلك الفنون، كل شيء ربما يبدو في البداية، بعيدا عن هذا المؤشر الرقمي، إلا أنك بقليل من التأمل تكتشف أنه يخضع له تماما، وفي عالمنا العربي مع الأسف كثيرا ما تغيب تلك المعلومة الراصدة رقميا، لنعرف أين  بالضبط نحن سائرون؟، هناك غياب شبه كامل للرصد الرقمي لأسباب جزء منها يخضع للعشوائية التي تسيطر علي الكثير من مناحي حياتنا في كل صورها، وبالتالي ستجد ذلك مجسدا في السينما، يكفي أن أذكر لكم أن الصناعة السينمائية الأم في عالمنا العربي وهي  السينما المصرية التي تحمل لقب ( هوليود) الشرق، لا تستطيع أن تعثر عن رقم موثق من المسؤولين في وزارة الثقافة المصرية  تطمئن لصدقه، كما أن المراجع تناقض بعضها البعض في التأريخ، حتي أنه كان هناك من يرصد بدايات السينما المصرية في 16 نوفمبر 1927 مع عرض أول الأفلام الروائية (ليلي) الذي يسند إلي عزيزة أمير كمخرجة، ثم اكتشفنا أن هناك من لعب الدور الرئيسي من الباطن في إنجاز الفيلم إخراجيا مثل ( استيفان روستي )،  بينما عزيزة أمير كانت هي فقط المنتجة وبالطبع البطلة، الأهم أن هذا الرصد أغفل، أن هناك أفلاما تسجيلية سابقة علي هذا التاريخ، حيث تتضارب مع الأسف التواريخ، يكفي أن أذكر لكم أن العديد من أصول الأفلام المصرية ضاعت بسبب الإهمال،  ومن حسن الحظ أن قسطا من تلك الأفلام كان يتم طبعه في معامل السينما في باريس، ولهذا فإن المعمل هناك هو الذي احتفظ بالأصول فأنقذها من الضياع  وهكذا مثلا شاهدنا أول فيلم غنائي مصري ناطق (أنشودة الفؤاد) 1932 إخراج ماريوفولبي وبطولة المطربة السورية نادرة والملحن الشيخ زكريا أحمد وجورج أبيض، العديد من أفلامنا المصرية أيضا ضاعت ولم تجد نفس فرصة فيلم (أنشودة الفؤاد) ويجب ملاحظة أنه و(أولاد الذوات) ليوسف وهبي ظهرا في نفس العام مع ضرورة التوقف أمام تلك المعلومة وهي أن السينما المصرية تأخرت فقط 5 سنوات عن ملاحقة السينما الناطقة عالميا، حيث كانت البداية مع الفيلم الأمريكي ( مغني الجاز) عام 1927، أي أننا لم نتأخر كثيرا عن مواكبة العالم، إلا أننا صرنا الآن غير قادرين علي ملاحقة التقدم التقني بنفس إيقاع الماضي.
إنتاج الأفلام في الماضي كانت تكفي بضعة مئات لا تتجاوز ربما 300 جنيها لإنجازه، بل إن أمينة محمد وهي من رائدات السينما التي رحلت قبل 35 عاما في حوار لها مع كاتب هذه السطور أشارت إلي أنها أنتجت فيلم ( تيتاونج) بما لا يزيد عن 50 جنيها  فقط، حصلت عليها من خلال إعلان البحث عن وجوه جديدة واشترطت أن يتقدم لشركة الإنتاج بصورة فوتوغرافية، يتم التقاطها عن طريق أستوديو يملكه شقيقها وكانت تقتسم معه المكاسب، وكان من بين من تقدموا للتمثيل في الفيلم الرئيس الأسبق محمد أنور السادات، ولكنها رأت أنه ليس (فوتوجينيك)، وهذه الكلمة تعني أن وجهه لا تحبه الكاميرا، ملحوظة السادات أشار إلي ذلك في أكثر من مناسبة، كما أن بعض الأفلام بعد تصويرها تم حرقها لأنها لم ترض النجمة، مثلما أشارت أيضا إحدي رائدات السينما المصرية الفنانة فاطمة رشدي  في حوار نشره لها كاتب هذه السطور في تحقيق بمجلة (الوادي) وأشارت إلي أن التكلفة لم تتجاوز 300 جنيه لم يعجبها فيلم (الزواج) فحرقته.
مشروع إنشاء (سينماتيك) مصري لا يزال حلما، وعلي مدي يقترب من 100 عام لم يتحقق ولكنه أيضا لم يتبدد، فلم يتوقف وزراء الثقافة في مصر أن يرددوا في كل أجهزة الإعلام عن عزمهم لإنشاء هذا الأرشيف، إلا أن الأمر لم يتجاوز حدود الأمنيات، ويجب أن نذكر أيضا أن السينما المصرية التي تتحرك اقتصاديا كما أسلفت في حدود 30  مليون دولار فقط لاغير، الأفلام الكبري ميزانيتها مثلا 2 مليون دولار، مثل العام الماضي (هروب اضطراري)، بينما ميزانية الأفلام في العادة قد لا تتجاوز نصف مليون دولار، وبعض الأفلام قد تصل فقط ميزانيتها إلي 150 ألف دولار، وتذهب أغلب الميزانية في الفيلم المصري كأجور للنجوم الذين لايتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة حيث يحصل نصفهم نجوم الشباك (السوبرستار) علي  رقم يقترب من مليون دولار ومن هؤلاء كريم عبد العزيز وأحمد السقا ومحمد رمضان وأحمد عز.
السينما والتي تحمل في أشهر تعريف لها  توصيف (الفن السابع)، الفنون الست السابقة عليها، هي الموسيقي والعمارة والنحت والرقص  والشعر والرسم، تجمع السينما بين هذه الفنون في بوتقة واحدة، ولكني أراها من خلال رؤيتي الشخصية باعتبارها موسيقي مرئية، لم تكن السينما مجرد فنا جديدا يضاف للفنون الست التي سبقتها ولا هي في الحقيقة تجميعا لها، بقدر ما يمكن اعتبارها تفاعلا بينها، أسفر عن هذا الفن الجديد، الذي برغم تخطي عمرها مائة عام بقرابة ربع قرن، إلا  أنها لا تزال  تسعي لكي تعثر علي السينما الخالصة.
السينما في العالم كله تتحرك وفقا للمؤشر الاقتصادي، العالم العربي لم يكن أبدا بعيدا في مشرقه ومغربه عن اللحاق بهذا الفن الجديد حيث إنه بعد أقل من عام من عرض أول الأفلام في باريس يأتي الأخوين لوميير إلي مدينة الإسكندرية والتي كانت هي عاصمة السينما المصرية في البداية، لأن الإســـــكنــدريـــة ينطــــــبـق علـيـهــــــــا تعريف المــــدينة (الكوزموبوليتـــان)، وهـي التي تجمع العديد من الأديــــان والأعـــــراق والأطياف والألوان في مكـان واحـــد، وهـو مــا يتيح لها ببساطــة استقبال كل ما هو جديد، طبعا أنا لا أتحدث عن الإسكندرية  اليوم التي فقدت مع الأسف هذا الطابع المميز.
التقطت الإسكندرية بسرعة مفردات هذا الفن الجديد، عرفت الإسكندرية بدايات السينما الصامتة مع العالم وظهرت أفلاما مثل (البحر بيضحك ليه) و(قبلة في الصحراء) و(زينب) الصامت، وذلك  قبل إضافة شريط الصوت له، وعرفنا الضابط والمصور والمخرج والكاتب محمد بيومي الرائد المجهول للسينما المصرية، هذا الرجل الذي درس وعشق هذا الفن، قدم عنه المخرج الراحل محمد كامل القليوبي فيلمه التسجيلي الذي نفض الكثير من الغبار الذي أحاط بهذا الرائد.
لو عدت لأرشيف السينما ستكتشف أن مصر منذ الخمسينيات وهناك رغبة لإقامة مهرجان سينمائي ضخم يحمل اسم القاهرة وكان من بين المنادين لذلك الفنان جميل راتب، ولكن لم يتحقق إلا أن المهرجان الكاثوليكي للسينما المصرية انطلق مع مطلع الخمسينيات، ليفتتح مهرجان (القاهرة) 1976 وذلك برؤية وهدف سياسي، حيث أرادت إسرائيل أن تسبق مصر في إقامة مهرجان يحظي بموافقة الاتحاد العالمي للمنتجين والذي يضم مهرجانات مثل (كان) و(فينسيا) و(برلين) فنجحت مصر في انتزاع المهرجان بتوجيه من الرئيس الأسبق محمد أنور السادات.
ويبقي أن أذكر لكم في الختام أنه من المؤكد أن أي بحث يتكئ علي الأرقام في مجال السينما يحتاج إلي جهد مضني في تجميع المادة العلمية والتاريخية، حيث إنه كثيرا من تتضارب المعلومات هنا وهناك، واعتذر مسبقا عن أي تقصير، ولكن يبقي أنني لا أزال بعد هذه الجولة الاقتصادية في السينما المصرية أتشبث بشاطئ الأمل في أن الغد سيحمل رغم كل شيء ما هو أفضل!!