فنون

بليغ حمدي.. «بعت القمر مرسال»


إشراف: عصـام عـطــية
9/11/2018 10:41:19 AM

بليغ حمدي.. رحلة أمل وألم طويلة قطعها في الحياة والفن، أراد أن يلتقط في أغنياته ذاك اللحن التائه وسط زحام الشوارع، وأن يعزف عبره علي أوتار آلام المصريين وأحلامهم، فتتردد في الغنوة أصداءهم المنسية.
يقول بليغ: "المصريون لهم في حزنهم وفي فرحهم غناء خاص تماماً، من أول السبوع، ومن الميلاد للموت، من الفراعنة لغاية دلوقتي هتلاقيه واحد، حتي في الدفن والمقابر، لينا حاجة متفهمهاش. يعني دايماً أحس إنها موجودة ودايما بدور عليها.. كنت دايما عايز أقول اللغة المفقودة دي، لغة غناء فيها أمي. من أول عدوية الأسمراني اللون لمتي أشوفك لفيلم شيء من الخوف، كل الحاجات دي ليها شجن، ليها إيقاع خاص في داخلي، قلته وأنا بلحن لعبد الحليم مثلًا خسارة يا جارة، قلته في صولو أكورديون في ألف ليلة وليلة، وكنت مُتعمد ده وقاصده، لأني بحس إن ده إحنا، بحس إن جوانا لغة خاصة زي ما بقول من الميلاد للموت، يمكن لحد دلوقتي مقدرتش أقول منها حاجة، لكني دايما بحاول".
حتي ونحن نحتفل بذكري وفاتة الـ25 يوم 12 سبتمبر نكتشف أن ذكري ميلاده الـ 86 توافق 7 أكتوبر من عام 1932 ويكون الفارق بين ذكري وفاته وذكري ميلاده 27 يوما، بليغ الذي أمتعنا لم يتصور يوماً أن تكون آخر محطاته في المنفي. كيف وهو من اتخذ من الحب وقوده للوجود؟ كيف وقد أغدق به علي كل ما حوله، بداية من الموسيقي الشرقية التي عشقها وأثراها بمئات الألحان الخالدة، مرورا بالوطن الذي ارتبط به ارتباط الطفل بأمه.
بليغ حمدي تراه عبقرياً لا يطال سماء عبقريته أحد، مجددا مثريا للموسيقي وباعثا لموسيقاها الشعبية علي خطي سيد درويش، هو أصغر من لحن لأم كلثوم، وهو من صنع شهرة محمد رشدي ومحمد العزبي بالأغاني الشعبية التي قدمها، واكتشف عفاف راضي وعلي الحجار وغيرهما وغني معه عبد الحليم بعض أشهر أغانيه. وهو من طبع غناء حرب 73 وما تلاها بأغانيه الوطنية بما في ذلك مع شادية وشكل مع وردة دويتو في الحياة وفي الغناء جعل منها نجمة ساطعة.

عفاف راضي تتذكر:
»كان عايق مش مغرور»‬
عفاف راضي.. من أهم اكتشافاته الفنية، ففي الوقت الذي رفض فيه ملحنون آخرون التلحين لها بسبب صوتها الأوبرالي الذي حكموا بعدم مناسبته للأغنية الشرقية، صمم بليغ علي مساعدتها والتلحين لها وتفجير طاقتها الفنية، وغنت معه أشهر أغانيها التي وضعتها علي سلم النجومية والشهرة "ردوا السلام، وتساهيل ووحدي قاعدة في البيت.. والنبي تبسم، ياوابور الساعة 12"، وأصبح الصوت الأوبرالي يغني لجلاس المقاهي والصنايعية في عام 1970، بعد أن فاجأ بليغ الوسط الغنائي كله بصوت غاية في النعومة والقوة، وهو صوت الرقيقة عفاف راضي، بليغ لحن لعفاف 72 أغنية وهي أكثر المطربات حظا معه، عفاف حدثتنا لساعات عن ذكرياتها مع بليغ، تروي حكايات زمن غنائي عظيم.
كان غزير الإنتاج.. ومحترفا.. وفاهم لعبة الأغنية
لحن لي 72 أغنية.. وكانت أمنيتي غناء »‬يا حبيتي يا مصر»
تقول عفاف: "ظهرت موهبتي الفنية عندما التحقت بمعهد الكونسرفتوار لأصنف ضمن أشهر مطربي الغناء الأوبرالي"، لم تكتف بموهبتها الفنية وصوتها المميز بل عرجت إلي الدراسة الأكاديمية كي تصقل الموهبة بالدراسة لتحصل علي درجة الماجستير ثم الدكتواره من أكاديمية الفنون لتغدو بعد ذلك من أشهر مطربي جيلها وتنال انتشارا كبيرا في الاحتفالات الدولية والمحافل العربية.
• كيف تم التعارف بينك وبين بليغ؟
- بليغ عندما سمع عني طلب مقابلتي وكان أول لقاء بيننا في منزله، وراهن عليّ وقدم لي أغنيتين تم تسجيلهما سنة 1970 هما "ردوا السلام، وهوا يا هوا". وعند لقائي الأول به قمت بغناء عدد من الأغاني أمامه منها موشحات تعلمتها من رياض السنباطي الذي كان يقوم بالتدريس في معهد الكونسرفتوار وأغنية أخري لـ الرحباني.
• ما هي أول أغنية لك مع بليغ؟
- ردوا السلام .. هذه الأغنية التي أصر فيها بليغ أن أغني مع العندليب الأسمر عبدالحليم حافظ في سينما الهمبرا بالإسكندرية، حيث اصطحبني بليغ لكي أغني وصلة فنية في الحفل الذي يقيمه العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، وعندها قالت عفاف بصوت خفيض: »‬مع عبد الحليم؟، يعني من الدار للنار علي طول». وكانت تلكَ الحفلة هي إحدي حفلات أضواء المدينة في بداية السبعينيات، وفعلا قام بليغ بالدعاية للحفل، وكان وقتها عبد الحليم يتابعه الأطباء علي المسرح وغنيت مع حليم، وخرج بليغ علي المسرح كي يقود الفرقة الموسيقية، وأنا طلعت قبل عبد الحليم وكانت الحفلة مذاعة علي الهواء مباشرة ونجحت أغنية ردوا السلام جماهيريا من إنتاج صوت الفن التي كان يعمل بها بليغ حمدي.
• بعد نجاحك لماذا لم يقترن اسمك باسم بليغ حمدي مثلما يفعل كثير من المطربين عرفانا بالجميل؟
- أنا عاجبني اسمي ولم أفكر في تغييره، وبليغ كان عايز يغير اسمي إلي جميلة، وده ضايقني جدا، وفضلت طول الليل مش قادرة أنام، ورحت قلت له الصبح أنا اسمي عفاف ومش هغير اسمي، ولقيته ضحك ورد كانت فكرة فقط.
• هل كانت هناك شركات إنتاج تحتكر أعمالك في تلك الفترة؟
- شركة صوت الفن كانت محتكرة أعمال بليغ حمدي وبالتالي كل الأغاني التي أغنيها كانت من إنتاج شركة صوت الفن وظللنا خمس سنوات نتعامل بهذه الطريقة، قدم لي بليغ كل الألوان الغنائية مثل أغنية وحدي قاعدة في البيت، وهوي ياهوا، وقضينا الليالي.
• في تلك الفترة هل قدمك بليغ لأعمال مسرحية أو سينمائية، أم رفض أن تخوضي مثل هذه التجارب؟
- بالعكس شجعني وعملت مسرحية من إخراج كرم مطاوع وفايز الحلو بعنوان "ياسين" وكان بليغ يوميا يقود الفرقة، لأن بليغ من أمنياته أن يعمل مسرحا غنائيا لكنه حلم لم يتحقق لأنه توجد مسارح وكانت مسرحية غنائية سياسية.
• طالما هناك احتكار لألحان بليغ حمدي لشركة صوت الفن هل رفض بليغ أن تتعاوني مع ملحنين آخرين؟
- بالعكس شجعني وقال لي منير مراد عنده جمل حلوة خذي منه لحن.
• ماهي الأغاني المقربة إليك ومن ألحان بليغ؟
أحسن لحن أغنية لمين ياقمر، وردوا السلام، وهوا ياهوا، وهناك أغانٍ كثيرة.
• ما سر نجاح ألحان بليغ حمدي إلي الآن؟
- سر نجاحه حتي الآن لأنه بيعرف يكتب، بيعرف الناس عايزه إيه، هو يدخل لقلب الناس من كلمة، ليس تقليدي ممكن يأتي بآخر كلمات الأغنية ويعملها مقدمة وممكن ياخد كلمة من نصف الأغنية وبعد كدة يكمل الكوبليه.
• هل هو ملحن عادي أم مختلف عن الآخرين؟
- هو غير كل الملحنين، أولا لا ينظر إلي المال ولا ينتظر أن يكلفه أحد بعمل سواء أخد فلوس أم لا علي اللحن، هو بينزل كل يوم مكتبه بيشتغل مع نفسه لا يكلفه أحد ولا منتج وهو يلحن وبعد ذلك نسمع نحن المطربين اللحن، معظم الملحنين لايشتغلون إلا بعد الحصول علي مستحقاتهم المالية.
وتضيف عفاف: لم يتنظر من المطرب أن يعطيه حقه بقدر أن يغني الأغنية.
• لكن هل حقيقي ما يتردد أن كل مطربة تأخذ منه لحنا يقع في حبها؟
- أنا لم أمش وراء مثل هذه الموضوعات ولا أعرفها، ولكن الذي أعرفه، أنه إنسان رقيق ومعطاء، وعايق جدا في نفسه، فهو يرتدي أحسن الملابس ويجلس في أجمل الأماكن.
• ما هي صفاته؟
- هو معتز بنفسه ليس عنده غرور وكان يميزني عن غيري بإعطائي ألحانا كثيرة وهو كان بشتغل مع كل المطربات أمثال شادية ونجاة .
• هل بليغ ظاهرة لن تتكرر في الوسط الغنائي والموسيقي؟
- حتي الآن ليس هناك أحد مثله من الملحنين، هو فاهم لعبة الأغنية بتتعمل إزاي، أتذكر أنه بعد تصوير مسلسل لم يسهر القمر تأخر بليغ في تلحين الأغنية وبدأ المخرج يسأل عليه والمسلسل اقترب موعد إذاعته، جاء الاستوديو ولحن الأغنية في نصفة ساعة وأنا لم أكن سمعتها قبل ذلك لكنه جعلني أحفظها في ذلك الوقت، هو كان غزير الإنتاج وحرفيا وموهوبا ولا يتنظر مطربا يسجل الأغنية أو آخر والدليل علي ذلك أنه كان يتعامل مع مطربين ليسوا معروفين، كان يحب التجارب الجديدة.
• هل هناك ألحان كنت تتنمين أن تغنيها وراحت لغيرك من المطربات؟
- كان نفسي أغني ياحبيبتي يا مصر التي غنتها شادية، وأغنية كان يامكان التي غنتها ميادة الحناوي لكن الحمد الله لأنني محظوظة لاهتمامه بصوتي هو الذي اكتشفني.
• حكاية فيلم مولد يادنيا تعامل فيه أكثر من ملحن ألم يكن هناك غيرة بينهم؟
- صوت الفن عرضوا عليا فيلم مولد يادنيا بشرط أن يكون المخرج هو حسين كمال، الشركة رفضت لأنه مكلف ماديا وسعره عالٍ، لكن رضخوا للأمر وجابوا حسين كمال وتعاون فيه ملحنون كبار مثل محمد الموجي وبليغ حمدي وكمال الطويل وعلي إسماعيل، بليغ لحن أغنية علي بالي وحبيتك ونهاية الفيلم يلا يادنيا، أما أغنية يهديك يرضيك كانت من ألحان الموجي ولكن لم يحدث غيرة فنية بينهم كان بليغ يشجعني علي العمل مع غيره من الملحنين.. وتنهي عفاف حوارها الجميل مؤكدة أنه في الفترة الأخيرة تعرض بليغ لظلم عندما اتهم بقتل سميرة مليان، خمس سنوات خارج مصر افتقدنا أعماله، وعندما عاد إلي مصر بعد براءته كانت حالة انكسار تسيطر عليه، لكن سرعان ما استرد ثقته بنفسه، لكن المرض لم يمهله.
وتتذكر عفاف أن في إحدي احتفالات نصر أكتوبر، بليغ كان في باريس وعملت بروفة مع الفرقة الماسية للأغنية التي سوف أغنيها، استقبلت مكالمة تليفونية من بليغ أن أغني أغنية " رغم البعد عنك" في الاحتفالات وقال لي قولي اسم كاتب آخر لهذه الأغنية وهذه الأغنية كان بيغنيها لناس معينة خصوصا كان هناك ضده كثيرون في تلك الفترة، وفعلا في ثاني بروفة قلت للمايسترو أحمد فؤاد حسن إن بليغ اتصل وطلب مني أن أغني هذه الأغنية ووجدت الفرقة كلها متحمسة لهذه الأغنية، وطلعت علي المسرح أمام الرئيس مبارك وقلت إن الأغنية من ألحان وكلمات بليغ حمدي وتقول رغم البعد عنك عمري ماهنسي إنك أمي.

رسالته إلي وردة:
كل غنوة عالحب كتبتها وقلتها كانت عشانك
من العيون السود، إلي خليك هنا، مرورا بوحشتوني، واشتروني، وعايزة معجزة، ودندنة، وصولاً إلي بودعك، قدم الثنائي بليغ ووردة أكثر من 50 أغنية تعتبر من أجمل ما احتوته المكتبة الموسيقية، اجتمعت بعدئذ عوامل الفراق فطلبت وردة الطلاق وحصلت عليه، لكن القصة لم تنتهِ.

ظل الحب ينبض حتي غنت وردة آخر لحن من ألحانه بودعك، كان لحناً غريباً وكأنما أراد فيه بليغ أن يجعل الموسيقي والكلمات تعبر تماماً عن قلبه، علي بعد آلاف الأميال، لم يكن بليغ حمدي يعلم أن القدر قد بدأ بالفعل يغزل خيوط العشق الذي سيجمع بينه وبين شابة جزائرية. فعندما شاهدت "وردة" ذات الـ16 عاما فيلم "الوسادة الخالية" بدمشق، أسرتها أغنية "تخونوه"، لكن علي العكس من قريناتها اللاتي شغفن بصوت عبد الحليم حافظ، بقي إعجابها منصباً علي ذاك الرجل المختبئ وراء اللحن، والذي لم تعرف عنه في ذلك الحين شيئا. تقول وردة: "حبيته في تخونوه، شفت وسمعت الأغنية دي في فيلم لعبد الحليم وقلت الراجل ده أنا لازم أعرفه" صممت الشابة وردة إذاً علي لقاء ملحن "تخونوه".التقيا، وكانت أولي الثمرات أغنية يا نخلتين في العلالي لفيلم "ألمظ وعبده الحامولي". افتتن بليغ بالفنانة الشابة، وطلبها للزواج، فرفضه أبوها، كان ذلك أول الحرمان وأول الشغف، وبدأ بليغ يعبر عن أشواقه عبر ألحانه التي كانت بمثابة رسائل حب جارف، ومن ذلك أن أم كلثوم قالت له ذات مرة: "أنا كوبري بينك وبين من تحب"، في إشارة منها إلي ألحانه لها أنساك ده كلام، وبعيد عنك حياتي عذاب، الحب كله، فيما تزوجت وردة واستقرت في الجزائر، واعتزلت الغناء.
لكن القدر أبي إلا أن يجمع الموهبتين، إذ تخوض وردة صراع الانحياز للفن، وتحصل علي الطلاق، وتعود إلي مصر لتلتقي بليغ، وتبدأ معه مشوار الزواج والفن، بدأ بأغنية العيون السود. وهكذا اجتمع الحبيبان مجددًا، وظل الفن يشكل جذور علاقتهما فتقول وردة: "عشقت في بليغ فنه"، وتحكي أنه كثيرا ما كان يوقظها ليسمعها لحنا ألفه، وهي كثيرا ما كانت تذهب إليه لطلب المشورة في أغانيها التي تعاونت فيها مع ملحن آخر. لكن القدر مرة أخري أبي أن تدوم بينهما السعادة، فلم يستمر الزواج سوي سبع سنوات، انفصلا بعدها، ولم يتزوج أي منهما مرة أخري. يُقال إن هذا يرجع لعدم تَحمُل وردة لحياة بليغ التي غلبت عليها الفوضوية، ويقال إنه قام بخيانتها، لكن الأكيد أنه لم يحب في حياته أحدا سواها. في أحد اللقاءات، عندما سُئل بليغ عن وردة، قال: "خدت منها الحب، والحنان، والدفا، والرقة والصدق عالآلة".
وردة اعتقدت بليغ قام بخيانتها، عندما كانت ترقد في المستشفي لتجري عملية جراحية دقيقة جدا بعدما أصيبت بجلطة في القلب عام 1978، منها عرفت من خلال الجرائد أن بليغ حمدي كان يحضر عيد ميلاد سميرة سعيد بينما كانت هي ترقد في المستشفي بل هناك من الجرائد من صرحت بزواج بليغ بسميرة، مما جعلها تستدعي أهلها وتطلب الطلاق منه.
اختلفت مع زوجها بليغ حمدي عندما قدم أغنية ''مش عوايدك'' لميادة، لكون الأغنية جميلة جدا وكانت وردة تأمل في تسجيلها، لكن زوجها الراحل أراد أن ''يغيظها'' وقدم الأغنية لميادة مما زاد من حدة الخلاف بينهما.

ظل الحب ينبض حتي غنت وردة آخر لحن من ألحانه بودعك، كان لحناً غريباً وكأنما أراد فيه بليغ أن يجعل الموسيقي والكلمات تعبر تماماً عن قلبه، علي بعد آلاف الأميال، لم يكن بليغ حمدي يعلم أن القدر قد بدأ بالفعل يغزل خيوط العشق الذي سيجمع بينه وبين شابة جزائرية. فعندما شاهدت "وردة" ذات الـ16 عاما فيلم "الوسادة الخالية" بدمشق، أسرتها أغنية "تخونوه"، لكن علي العكس من قريناتها اللاتي شغفن بصوت عبد الحليم حافظ، بقي إعجابها منصباً علي ذاك الرجل المختبئ وراء اللحن، والذي لم تعرف عنه في ذلك الحين شيئا. تقول وردة: "حبيته في تخونوه، شفت وسمعت الأغنية دي في فيلم لعبد الحليم وقلت الراجل ده أنا لازم أعرفه" صممت الشابة وردة إذاً علي لقاء ملحن "تخونوه".التقيا، وكانت أولي الثمرات أغنية يا نخلتين في العلالي لفيلم "ألمظ وعبده الحامولي". افتتن بليغ بالفنانة الشابة، وطلبها للزواج، فرفضه أبوها، كان ذلك أول الحرمان وأول الشغف، وبدأ بليغ يعبر عن أشواقه عبر ألحانه التي كانت بمثابة رسائل حب جارف، ومن ذلك أن أم كلثوم قالت له ذات مرة: "أنا كوبري بينك وبين من تحب"، في إشارة منها إلي ألحانه لها أنساك ده كلام، وبعيد عنك حياتي عذاب، الحب كله، فيما تزوجت وردة واستقرت في الجزائر، واعتزلت الغناء.
لكن القدر أبي إلا أن يجمع الموهبتين، إذ تخوض وردة صراع الانحياز للفن، وتحصل علي الطلاق، وتعود إلي مصر لتلتقي بليغ، وتبدأ معه مشوار الزواج والفن، بدأ بأغنية العيون السود. وهكذا اجتمع الحبيبان مجددًا، وظل الفن يشكل جذور علاقتهما فتقول وردة: "عشقت في بليغ فنه"، وتحكي أنه كثيرا ما كان يوقظها ليسمعها لحنا ألفه، وهي كثيرا ما كانت تذهب إليه لطلب المشورة في أغانيها التي تعاونت فيها مع ملحن آخر. لكن القدر مرة أخري أبي أن تدوم بينهما السعادة، فلم يستمر الزواج سوي سبع سنوات، انفصلا بعدها، ولم يتزوج أي منهما مرة أخري. يُقال إن هذا يرجع لعدم تَحمُل وردة لحياة بليغ التي غلبت عليها الفوضوية، ويقال إنه قام بخيانتها، لكن الأكيد أنه لم يحب في حياته أحدا سواها. في أحد اللقاءات، عندما سُئل بليغ عن وردة، قال: "خدت منها الحب، والحنان، والدفا، والرقة والصدق عالآلة".
وردة اعتقدت بليغ قام بخيانتها، عندما كانت ترقد في المستشفي لتجري عملية جراحية دقيقة جدا بعدما أصيبت بجلطة في القلب عام 1978، منها عرفت من خلال الجرائد أن بليغ حمدي كان يحضر عيد ميلاد سميرة سعيد بينما كانت هي ترقد في المستشفي بل هناك من الجرائد من صرحت بزواج بليغ بسميرة، مما جعلها تستدعي أهلها وتطلب الطلاق منه.
اختلفت مع زوجها بليغ حمدي عندما قدم أغنية ''مش عوايدك'' لميادة، لكون الأغنية جميلة جدا وكانت وردة تأمل في تسجيلها، لكن زوجها الراحل أراد أن ''يغيظها'' وقدم الأغنية لميادة مما زاد من حدة الخلاف بينهما.

نادية مصطفي: »‬عبقري الأجيال»
بليغ حمدي مدرسة كبيرة، سابق لعصره، لحن للعديد من المطربين ومن أهمهم "كوكب الشرق" أم كلثوم.
ملحن مات جسداً لكن روحه مازالت موجودة بيننا.. أسعد الناس بألحانه وكلماته.. تستمر أعماله بين جميع الأجيال وكلماته التي مازالت متعلقة في الأذهان.
فكلما تحدثت مع ابنتي إذا كانت تعرف من هو ملحن تلك الأغنية كان دائماً ردها "ماتقوليليش إنها لبليغ حمدي" وذلك بسبب انتشار ألحانه في أجيال مختلفة ومطربين ومطربات مازالت أغانيهم خالدة.
صاحب أفضال علي الجميع. لم أتوقع أن اسم بليغ حمدي قد يكون في تاريخ مشواري الفني. حيث إنه كان يحب صوتي فطلب من الأستاذ عبدالوهاب محمد أن يكتشفني. وظل يساندني من خلال تعديله لبعض الألفاظ فهو دقيق جداً في التفاصيل قام بتلحين 3 أغنيات لي وهي "إلا رؤياك- لا ده كتير- جمال إسكندرية"، وكل أغنية تقبع فيها ذكري خالدة بيننا. خاصة أغنية "إلا رؤياك" فبدأ بتلحينها وأصر علي أن ترتدي في تصوير الأغنية الزي الشرقي فإنه كان عاشقاً لبلده بكل ما تحتويه من عادات. وظل بجانبها في تسجيلها وتصويرها حتي انتهت بشكل رائع لم أتوقع أن تكون الأغنية ناجحة بتلك الطريقة، فهو بالفعل "ترزي شاطر" يستطيع أن يفصل جملة مع لحن مشابه لها. فقد كانت الجملة عندما تذكر يعرف أنها خاصة ببليغ حمدي.
إذا تكلمت عنه لشهر لن ينتهي حديثي فهو كان خلوقاً، عطاء، كريماً، بيته مفتوح للكل من الصحفيين والفنانين والملحنين وغيرهم كان يحضر العشاء ويمكنني الحضور حتي إذا لم أكن مدعوة. كانت ذكرياته في بيته علي العشاء لحظات لا تنسي دائماً ما أعترف في ذهني بأنه عبقري. ومن المواقف الطريفة بيننا أنني في بعض الأحيان كنت أذهب لبيته وأجلس وهو غير موجود فيه.
لكن من رأيي بأنه عاش حياة "جميلة ومش جميلة" رغم أنه كريم إلا أنني أري أن "البيوت لها حرمة" ليس أي شخص يمكن أن أدخله بيتي.، هذا من رأيي أيضاً أنه سبب له القضية التي ظلم فيها من قبل عن مقتل "سميرة مليان" فهو لم يكن حاضراً في ذلك الوقت ورغم ذلك اتهم ظلماً وأدي ذلك بأننا حرمنا منه لفترة طويلة عندما كان خارج البلاد.
بليغ حمدي شخص موهوب مليء بالعبارات كان قادراً علي التلحين لكل الألوان "وطني- ديني- شعبي- كلاسيكيذ طرب"، ونجح فيهما جميعاً.
وتظل ذكري بليغ حمدي خالدة في قلوبنا جميعا، تعود روحه إلينا بمجرد سماع ألحانه العذبة.

هاني مهني:
الوحي لم يفارقه
هاني مهني: "هو سيد درويش العصر، عبورا بالقصبجي، هو الندرة والمكانة الخاصة كان يلحن للشعب من الشعب.. أعماله التي كان يتغني بها اليوم، كان الشعب يغنيها تاني يوم في الشارع، وهذه ملكة خاصة به بالإضافة إلي أن بليغ معرفتي به وأنا كنت عازفا علي الأكورديون وعزفت معه أغنية وحدي في البيت وبهية وعندما التحقت بفرقة بليغ اشتغلت معه في أغنية حب إيه وحكم علينا الهوي، وكان التقاسيم في ذلك الوقت يقوم بها القصبجي وممكن أن الأورج يدخل ويعمل تقاسيم كانت ثورة في الموسيقي".
ويقول، بليغ من النوع الذي يدعم المبدعين ودائما يحب اكتشاف المواهب الجديد مثل علي الحجار وهاني شاكر عندما غني هو اللي اختار وأيضا هو من تبني عفاف راضي، وكان بيدفع للمطربين الذين لايمتلكون إمكانيات هو كان عبقري الي جانب حبه لبلده، وكان حبه الأول مصر والثاني أمه في عام 67 عملت أغنية فدائي وعدي النهار وياحبيبتي يامصر، وبسم الله وعلي الربابة كان بليغ يغني للعلاقات الوطنية مثلما غني للعلاقات الرومانسية.
ويحكي: "مرة عبد الوهاب كان معانا وكنا بنعمل بروفة لأغنية فاتت جنبنا وجاءت سيرة بليغ حمدي فقال عبد الوهاب: الواحد بينزل عليه الوحي كل 3 أسابيع، أما بالنسبة لبليغ الوحي مش بيفارقه نازل عليه علي طول" وبعد بليغ ظهر جيل صلاح الشرنوبي وكثيرون لكنهم لم يرتقوا إليه.. بليغ جعل عبد الحليم حافظ يغير من الأعمال الشعبية التي غناها محمد رشدي من ألحان بليغ، فعمل له بليغ أغنية علي حسب وداد رغم أن عبد الحليم معدن صوته لا يصلح شعبيا وصوته رومانسيا. أما رشدي فصوت شعبي قوي".
ويقول، عندما رأي بليغ أن صوت عفاف راضي درس موسيقي وصوت أوبرالي وجدت في صوتها أنه أقرب إلي صوت فيروز والرحبانية كانوا في ذلك الوقت يسيطرون علي الساحة الغنائية، لذلك جاء بصوت شبيه لفيروز ودرس الموسيقي ووقف بجوار عفاف راضي وأنتج لها بغزارة ونجح.. بليغ مهما قلنا ولو طبعنا ألف عدد لن نستطيع حصر إبداعاته.

محمد سلطان:
كان سريع التأثروالبكاء
الملحن محمد سطان: "لا بد أن نعطي بليغ حقه، هو موهبة فذة لن تتكرر، كان سريع التأثر والبكاء، نحن كفنانين معجونون بالإحساس وأكثر صلة بالإنسانية فعندنا الإحساس الحسي أكثر من المعنوي، وبليغ حمدي لازم نعطيه حقه وقدره فأنا أحبه جداً هو إنسان وفنان، والفنان الحقيقي لا يعرف الشر هو يموت لغيره، أنا أري نفسي فيه، لذلك بليغ كان سريع الحب وسريع الانهيار يفرح جدا ويزعل جدا".
يضيف: "لم أشعر بالغيرة علي الإطلاق من الموسيقار الراحل بليغ، هذا الكلام غير صحيح بالمرة، فلم أشعر بالغيرة من بليغ حمدي ولا غيره، فأنا أعرف قدر نفسي جيدا، كما أن بليغ كان يحبني جدا وأنا أحبه كذلك وكان يعرف قدري جيدا، لذا لم تكن هناك غيرة بيننا علي الإطلاق. أذكر لك موقفا ربما أحكيه لأول مرة، لتدرك أننا لم تكن بيننا غيرة أو أشياء من هذا القبيل، أغنية "ودارت الأيام" لأم كلثوم كانت معي وكنت سألحنها لكن الموسيقار محمد عبدالوهاب زارني في منزلي ووجد هذا الكلام وطلب مني أن يأخذه، لم أستطع أن أقول له "لأ" رغم أنني حزنت لأنها كانت فرصة لتعاوني الأول مع السيدة أم كلثوم، وحرمت من العمل مع أم كلثوم في مشواري".
واختتم: "بليغ حمدي ومحمد الموجي كانا ثروة قومية، وكنت أحبهما، كما كنت أحب خفة ظل سيد مكاوي جداً وكان من أقرب الناس لي، وهو الذي رشحني لتلحين أغنية "سامحتك كتير" لأصالة، وقال لها "لو عايزة تنجحي روحي لمحمد سلطان يلحن لك". وبالفعل جاءتني بهذه الأغنية وحققت الأغنية نجاحاً كبيرًا".

حلمي بكر: المبدع المطلوب
- هو "المبدع المطلوب" وخلال الخمس سنوات الأخيرة لم يأخذ حقه واتهم ظلماً حتي خرج من البلد وعندما عاد مات حزيناً ظناً بأن أعماله سوف تدفن معه بعد أن تعرض لتلك الاتهامات.
• لماذا موسيقي بليغ حمدي مازالت مسيطرة علي الساحة الفنية؟
- بعد أن ترك بليغ حمدي الغناء سبقني في عالم التلحين وقام بإنشاء مدرسة خاصه به تحمل تلامذته وزملاءه من الملحنين وأصبح له شكل خاص جعل العديد يقوم بتقليده وهذا الشكل خاصة الطرب ظل علي الساحة حاضراً رغم اختلاف الأجيال إلا أنه حتي الآن يميل البعض للطرب القديم في "قعدة ونس".
• وكيف استطاع التلحين لمطربي الشعبي والكلاسيك معًا؟
- كان يلحن فقط لنماذج غنائية كبيرة لها شهرتها، فمثلاً المطرب "أحمد عدوية" لم يكن مغنياً قليل الشأن في ذلك الوقت بل كانت أغنياته تسيطر علي الأذهان ويظل الناس ترددها . فكانت لها أهمية ضخمة بالتحديد في المناسبات.
• هل تري أنه ظلم في مشواره الفني؟
-  لم يظلم في مشواره الفني وإنما ظلم كما ذكرت من قبل في آخر سنوات عمره وأيضاً بعد رحيله فكان من المعتاد تكريم الفنانين بعد وفاتهم وذلك لم يحدث معه.
• كيف كانت ذكرياتك مع بليغ حمدي؟
- ذكريات جميلة عديدة، وقتما كان يغني لساعة لقلبك، كنت أغني في الإذاعة في ذلك الوقت وتقابلنا في المعهد العالي للموسيقي العربية ورغم فارق العمر بيننا فهو يكبرني بـ13 عاماً إلا أن علاقتنا كانت وطيدة فهو كان رفيقي بالعمل وبالحياة.
كان دائماً يناديني "بأبو حلموس" ويوم زفافي علي زوجتي الأولي الفنانة "سهير رمزي" أحضر المأذون وغني في ذلك اليوم ثم بكي متأثراً بيوم زفافي قائلًا إنه من أسعد الأيام علي قلبه، ولأننا رفقاء كنا نتقابل يوميًا لا أصدق أن "بليغ" غائب عني في بعض الأوقات.