فنون

سوريا بين الأمل.. والحياة.. والموت

حكايات سينمائية في مهرجان الإسكندرية الـ34


نعمة الله حسين
10/9/2018 12:39:26 PM

أوجاع الأوطان ووجيعة وهموم الإنسان في بلداننا العربية تتشابه كثيرا وتكاد تكون مشتركة.. لتظل "الحرية" هي "الحلم" للجميع..
وقد استطاعت السينما أن ترصد بصدق شديد وتعبر عنها من خلال صورة جمالية، تدخل إلي قلب وعقل المشاهد.. ورغم الألم والوجع الذي تحمله كانت قادرة علي انتزاع ابتسامة أو ضحكة للاحتفاظ "بالأمل" بأن المستقبل لابد أن يكون أفضل وأن من حقنا جميعا أن نحلم.
وفي مهرجان الإسكندرية الذي تقيمه الجمعية المصرية لكتاب ونقاد السينما ويرأسها -هي والمهرجان- الصديق الناقد "الأمير أباظة" الذي نجح أن يستقطب أفلاما وأسماء كثيرة من الوطن العربي لتكريم أصحابها أو في أول عرض عالمي لها.
ولقد أثبت "الأمير أباظة" أن الإمكانيات وحدها رغم أهميتها لا تصنع مهرجانا ناجحا.. بل لابد أن يكون هناك فكر وهدف. وهو ما تحقق في هذه الدورة بتميز شديد.. بل لست مبالغة إذ أقول إن البرنامج كان مشحونا أكثر مما يجب وهو ما جعلنا في حالة اختبار صعب لمتابعة كل الفعاليات.
•  •  •
هذه الدورة حملت اسم الفنانة القديرة "نادية لطفي" وتحت شعار "القدس عربية" لتذكر العالم بأهمية القضية الفلسطينية والسلام بعد الفوضي الشديدة التي عمت تلك المنطقة العربية والتي لا يريد الغرب لها أن تكون ذات قوة مؤثرة بل تغمرها الفوضي لإعادة تشكيلها من جديد بما يخدم مصالحه.
•  •  •
من بين 26 دولة من حوض البحر المتوسط بالإضافة للإمارات والأردن والبحرين والبرتغال والسويد وفرنسا، عرض ما يقرب من 85 فيلما معظمها في عرضها العام الأول.
في مسابقة "نور الشريف" للفيلم العربي شاركت سوريا بفيلمين بينهما فيلم الافتتاح "دمشق حلب" للمخرج باسل الخطيب وبطولة الفنان القدير "دريد لحام" ـــ أعطاه الله الصحة والعمر الطويل ـــ والفيلم الثاني "روز" إخراج "رشا شربتجي" وبطولة الفنانة القديرة سوزان نجم الدين وباسم ياخور ومني وصفي.
الفيلم يعكس واقعا مريرا عاشته نساء سوريا ورجالها في بداية الحرب السورية وكيف أن هناك مئات وآلافا تم اختطافهم بينهم نساء كثيرات كن ضحايا للتنظيم الإرهابي "داعش" وقد ركز الفيلم علي هؤلاء النسوة اللائي تعرضن لكل أنواع التعذيب والانتهاك الإنساني علي يد من يدعون أنهم حماة الدين.. في بداية الحرب تم اختطاف "روز" الناشطة السياسية ووضعت داخل أحد المعتقلات مع غيرها من نساء.. وفي نفس الوقت يبحث عنها "وائل" المحامي الجاد، الذي يحاول بشتي الطرق أن يهتدي لطريقها ومعرفة ما إذا كانت علي قيد الحياة حتي لو تعاون مع من لهم صلة بالتنظيمات الإرهابية في مقابل مبالغ مالية حتي أنه يقع ضحية لهم يبتزونه.
•  •  •
حكايات النساء في المعتقلات وصمودهن الذي هو جزء من صمود سوريا، وإذا كان الظلم يأتي من الخارج قد يلحق به ظلم أقصي من الداخل وقد تجلي ذلك في سوء معاملة المجموعة لـ"روز" التي واجهتهن بذلك وبعد ذلك أصبحت واحدة منهن وبدأن خطة للهرب ساعدهن في ذلك أحد الرجال الذي تذكرها بأنها أنقذت زوجته.
كما تعرض الفيلم لمصير الكثير من النساء اللائي أصبحن سبايا لرجال التنظيم الإرهابي وكيف أن هؤلاء الرجال وقادتهم يستغلون الدين أسوأ استغلال.. إن صورة الموت والدمار الذي يحيط بكل الأمكنة لم يمنع هؤلاء النساء بأن يكون لديهن أمل في الفرار.
وفي المقابل يسعي "وائل" للانضمام للتنظيم في محاولة للبحث عن "روز"  في الأماكن التي كانوا يحتلونها.. وأمام هول ما رأي بنفسه يقول إنه في البداية كان يبحث عن روز وحريتها، أما الآن فقد أصبحت القضية هي قضية كل النساء المخطوفات.. وإذا كان الفيلم ينتهي بعودة بعض من المخطوفين والمختطفات من خلال عمليات تبادل فإن ذلك لا يمنع من أنه مازال هناك الكثير والكثير لا يعرف أحد مصيرهم.
•  •  •
في إخراج هذا الفيلم الكثير من تميز كل عناصره الفنية التي تضافرت ليخرج بهذه الصورة الرائعة الموجعة.. والتي لم يبخل الإنتاج في الإنفاق عليها فقد كانت التفجيرات حقيقية وكان هناك مخرج للمعارك متخصص حتي أن طاقم الممثلين والفنيين واجهوا الموت أكثر من مرة.. وأن كل ما عرض في الفيلم من تعذيب وقسوة أقل كثيرا من الواقع المرير الذي عاشته سوريا.. وسوف تنتصر تماما عليه وتعود كما كانت من قبل.
إن "روز" قصة حقيقية لمئات من النساء أرادت المخرجة أن تصل برسالتها للعالم كله ونجحت في ذلك خاصة أنها في رحلة البحث عن "روز" تعرضت لنماذج كثيرة في المجتمع السوري: من استفاد من الحرب.. ومن خان.. ومن كان يلعب علي كل الجهات.. غير مبالٍ إلا بمصالحه الشخصية وهو شيء يدعو للأسف الشديد أن يخون الإنسان وطنه في أحلك اللحظات ،فقط لمجرد الربح والمصالح الشخصية.
بطلة الفيلم الحقيقية تعيش حاليا في دبي وإذا كان الفيلم لم يذكر نجاتها فلأنها رمز لأخريات كثيرات مازال البحث عنهن جاريا.
وبقدر الصدق الذي نجح فيلم "روز" في فضح " الدواعش" الذين يذبحون ويغتالون الحياة باسم الدين.. كان هناك فيلم "أمينة" للممثل والمخرج القدير "أيمن زيدان" في أولي تجاربه الإخراجية السينمائية.. الفيلم بطولة نجاح مختار.. قاسم ملهو.. حازم زيدان.. وچود سعيد.. وهو يعتبر ملحمة فنية راقية برعت فيها قدرات "أيمن زيدان" كمخرج امتلك أدواته الفنية كلها بجدارة بداية من إدارة ممثليه والتصوير والموسيقي التصويرية ..الفيلم يجمع بنجاح شديد كل العناصر.. وهو يروي قصة أمينة الأم السورية التي وجدت ابنها المجند يعود إليها وقد أصابه شلل تام ولم يعد قادرا علي الحركة تماما.. تعيش أمينة في ضيعة صغيرة مع ابنتها التي يطمع رجل متزوج من الزواج منها مستغلا حالة الاحتياج التي تعاني منها الأسرة.. الفتاة توافق عليه والأم ترفض فكرة التضحية بالابنة وتفعل كل شيء من أجل إنقاذ أسرتها.
إن الأم في هذا الفيلم هي رمز لسوريا كلها القوية الصامدة التي رغم كل الظروف لا تنحني حتي وإن ضعفت فهي تتمسك بالأمل.. الذي يجعلنا كلنا نصر علي إكمال مشوار الحياة بحلوها ومرها.
تحية للمخرج الفنان القدير "أيمن زيدان" الذي قدم لنا فيلما قد لا يتضمن مشاهد صادمة عنيفة جسديا.. لكن العنف المعنوي كان أشد قسوة وإيلاما لتبقي "أمينة" "وسوريا" للأبد رمزا للحياة والنصر.