فنون

في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الـ40 السينما والإنسانية.. تكسب


نعمة الله حسين
12/4/2018 4:07:01 PM

الإنسانية هي البوتقة التي تحمي العالم من الانهيار.. وسياج الأمان للتعايش بين البشر علي سطح الكرة الأرضية.. وقد أدركت ووعت السينما أهمية المعني البسيط والشمولي لهذه الكلمة بمفرداتها البسيطة أو الشاملة.. وانحازت ببساطة لنوعية من الأفلام مازالت تعرض نفسها علي المشاهد في كل العالم..

وفي مهرجان القاهرة السينمائي الدولي الـ40 بدت هذه الظاهرة واضحة في أفلام المهرجان.. وهو ما صرح به أيضاً المخرج الشهير "بيل أوجست" رئيس لجنة التحكيم في حلقة النقاش.. عندما قال "إنه مهموم بتناول العلاقات بين البشر.. ولهذا لم يفكر أبداً في عمل أفلام "أكشن" أو مغامرات وخيال علمي..
وإنه منذ كان صغيراً وتوفيت والدته في سن صغيرة جداً ليعيش مع والده فكان ملاذه الحقيقي الكتب والقصص الأدبية.. والحكايات الإنسانية.. وبالتأكيد أن انحيازه للموضوعات الإنسانية انعكس بشدة لباقي أعضاء لجنة التحكيم ويتوج ذلك بفوز الفيلم الإسباني الأرجنتيني الأورجواني الفرنسي "ليلة الاثني عشر عاماً" إخراج المخرج الأورجواني "ألفارو بريخنر" الذي حصل علي الماجستير من جامعة برشلونة في الأفلام الوثائقية.. وكتب وأخرج ثلاثة أفلام قصيرة حصلت علي عديد من الجوائز وذلك منذ سنة 2002.. وفي 2009 قدم أول أفلامه الروائية الطويلة "يوم سيئ للذهاب إلي الصيد الذي حقق نجاحا كبيرا وحصد العديد من الجوائز؛ بلغ عددها ما يقرب من الثلاثين.. في فيلمه الثالث "ليلة الاثني عشر عاماً" والذي حصل علي جائزة الهرم الذهبي، عن قصة حقيقية وقعت أحداثها سنة 1973 أثناء حكم الديكتاتور فرانكو، عندما يتم نقل ثلاثة من نزلاء أشرس السجون إلي زنازين منفردة لمدة ثلاثة عشر عاما لكي يصابوا بالجنون.. الفيلم استغرق التحضير له مدة أربع سنوات.. وقد شارك فيه ثلاثة من أشهر الممثلين "أنطونيو دولاتورو" شينودارين "وألفونسو تورت" ومن سخرية القدر أن واحدا منهم أصبح فيما بعد رئيساً لأورجواي.
•  •  •
وبعيدا عن الجوائز لأنه ليس كل من يفوز بالضرورة هو الأفضل، يبرز الفيلم الفرنسي "أمين" للمخرج الفرنسي  "فيليب فوكون".. الذي يعد واحداً من أكثر المخرجين التزاما.. أفلامه جميعها تعالج قضايا الهجرة والمهاجرين وجزء كبير منهم العرب.. بالإضافة إلي نظرته التحليلية في كيفية انضمام الشباب لتجمعات إرهابية تتبع منظمات دولية.
"فيليب فوكون" ولد في مدينة وجدة بالمغرب.. من أبوين فرنسيين حيث كان والده يعمل  "ضابطا" بالجيش الفرنسي وأمضي السنوات الأولي  من عمره ما بين المغرب والجزائر.. وإذا كانت أفلامه كلها استطاعت أن تعري خفايا المجتمع وعوراته خاصة في فرنسا.. وخاصة المهاجرين العرب وذلك منذ بداية فيلم "سامية" الذي قدمه بعد ستة أفلام أنتجها له "أمبير بلزان" الذي أنتج ليوسف شاهين وتشارك معه في أفلامه الأخيرة وبعد وفاة "بلزان" أو انتحاره بمعني أدق.. أنشأ فيليب فوكون مع زوجته "ياسمينا" شركة إنتاج مستقلة ومن خلالها أخرج أفلامه الأخيرة كلها.. وكانت البداية مع فيلم "فن الحياة" الذي تكلم فيه عن علاقة سيدة مسلمة بأخري يهودية.. عالج فيه الموضوع برقي وحساسية شديدة ليوضح أن الإنسان هو الإنسان وأن الدين الإسلامي ليس فيه عداوة لليهود بل إنه يحترم ويعترف  بديانتهم.. لكن الفرق كبير بين الشعوب وديانتها والصهيونية وممارستها الوحشية.
•  •  •
وفي "أمين" آخر أفلام "فوكون" والذي يتناول فيه قضية المهاجرين الأفارقة إلي فرنسا والذين يعمل معظمهم في أعمال البناء والخرسانة والتضاد الشديد بين حياتهم وظروف عملهم القاسية في فرنسا والإقامة في شبه بيوت شبان.. من أجل الحصول علي الأموال اللازمة لإرسالها إلي بلدانهم للمشاركة في الإعمار وتربية الأبناء ومساعدة الأسرة ككل.. وعندما أقول الإعمار فإنني لا أقصد المدن الكبري بل القري المنعزلة داخل أفريقيا.
"أمين" من قرية صغيرة بالسنغال لديه ثلاثة أولاد.. ولدان وبنت.. لا يراهم كثيراً وزوجته التي تقيم مع عائلته هي التي تتولي شئونهم.. إنها كزوجة مثل أخريات يعشن الحياة الزوجية مع إيقاف التنفيذ حيث لا وجود فعليا للزوج.
•  •  •
وفي المقابل يستعرض "فوكون" حياة سيدة بيضاء مطلقة تنجذب بشدة نحو "أمين" عندما ذهب مع عمال آخرين لعمل إصلاحات في منزلها..استطاعت أن تجذبه جسدياً وعاطفيا إليها.. وينتهزها "فوكون" فرصة لتعرية هذه الفئة الثرية في خلافاتها الأسرية وكيف أن الابنة رغم حبها الشديد لوالدتها إلا أنها ترفض بشدة تلك العلاقة.
إن حياة "أمين" "وعبدالعزيز" الذي يكبره بسنوات والذي ترك أبناءه في بلده وأصبح لديه بنتان أخريان في فرنسا وعندما يصل تقريبا إلي سن المعاش يعلم أنهم خدعوه وأنه لن يحصل إلا علي ملاليم.
الحياة المزدوجة القاسية للجالية الأفريقية من العمال شديدة القسوة.. وإن كانت قسوتها أقل قليلا من الجاليات العربية.. لأن هناك نظرة عنصرية دونية لبشرتهم مهما حاول البعض نفيها.
إن المأساة الحقيقية لهؤلاء المهاجرين تكمن في أنهم في كثير من الأحيان لا يحملون الجنسية ولا يجيدون اللغة.. وهذا ما قدمه في فيلمه قبل الأخير "فاطيما" عن خادمة تعمل في البيوت بعد أن تركها زوجها وكبرت ابنتاها وهما تتحدثان الفرنسية بطلاقة بينما هي لا تعرف ولا تجيد التحدث بها.. ومما يكسرها نظرة المهانة التي تنظر بها ابنتها إليها..
•  •  •
إن "فوكون" يرصد في أفلامه واقعاً مريراً من يشاهده يعتقد أنه خيال لكن الحقيقة ربما تكون أكثر قسوة منه بكثير.
ولعل أكثر المهاجرين الأفارقة في فرنسا يأتون من مالي.. السنغال وموريتانيا.. وفي نفس الوقت الذي يستعرض فيه حياة هؤلاء المهاجرين العاملين في ظروف قاسية.. يستعرض أيضاً الحياة في قراهم الفقيرة وحياة الزوجات والأبناء والعائلة التي تعتمد في حياتها علي الأموال التي يرسلونها من الخارج لكي يعيشوا.
•  •  •
والحقيقة أن كل أفلام "فوكون" رغم بساطة تناولها في الإطار السينمائي إلا أنها تحمل موضوعات غاية في الأهمية.. وتعكس واقعا مغايرا يقدمه بلغة سينمائية بسيطة ليس فيها تعالٍ علي الجمهور ولذلك تصل  للقلب مباشرة.
إن هذه النوعية من الأفلام الإنسانية هي التي انتصرت لها السينما فحصل البعض علي جوائز والآخر علي التقدير والإعجاب.. فالجوائز في السينما وفي الفن ليست هي دائماً نهاية المشوار.