فنون

«مو ومصطفي وتوتو».. 3 عوالم مختلفة تتلاقـــــي داخل تاكسي

«ليل خارجي».. صـراع النخبة والمواطن


عصـام عـطــية
12/4/2018 4:12:40 PM

"ليل خارجي" تعبير يستخدم دائماً أثناء تصوير الأفلام، وفي النصوص السينمائية لوصف مكان وزمن المشهد، يبدأ الفيلم عندما نري فيها مخرجاً شاباً يحاول التغلب علي معوقات عبثية لصناعة فيلمه، لكن في المشاهد التالية يتحول مجري الأحداث لنعرف أن المخرج ليس سوي بطل القصة التي يرويها الفيلم بعيداً عن صناعة السينما، في هذا الفيلم فاز شريف الدسوقي بجائزة أفضل ممثل في المسابقة الدولية لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الـ40.

‑ تدور أحداث الفيلم عن ثلاثة أشخاص من عوالم لا يمكن أن تتلاقي يجدون أنفسهم مضطرين لقضاء ليلة معاً، يخالفون فيها شكل الحياة التي اعتادوها، "مو" المخرج الشاب الذي يصارع من أجل عمل فيلمه الجديد، "توتو" بائعة الهوي التي تقابلهم للمرة الأولي، و"مصطفي" سائق التاكسي الذي تتحول ليلته لصراع بينه وبين "مو" يحاول كل منهما إثبات القوة والقيادة، بينما تقع "توتو" بين رحي هذا الصراع في تجربة تستغرق ليلة كاملة يكتشفون فيها القاهرة في أعماقها الشعبية في ظلام الليل، ويعيدون اكتشاف ما ظنوا أنهم يعرفونه عن أنفسهم وعن علاقاتهم، ويحاول "مو" معرفة كيف يستطيع ثلاثة أفراد من ثلاث طبقات اجتماعية مختلفة، وتوجهات أخلاقية وفكرية متباينة، التعايش داخل عربة تاكسي صغيرة في مدينة مزدحمة، ويستعرض الفيلم العلاقة الملتبسة بين النخبة الثقافية الجديدة وبين المواطن العادي في سياق ما بعد ثورة يناير 2011، ويصل الفيلم إلي ذروته بدخول الدولة طرفا في المعادلة، هنا يتبني الفيلم بشكل واضح سردية الدولة، ففي حين أن المواجهة مع الدولة كانت ناعمة وغير مباشرة في بداية الفيلم من خلال حملة التضامن مع الكاتب المحبوس، فإنها تتحول في نصفه الأخير إلي مواجهة مباشرة مع الذراع الأمنية للدولة، حينما يتم القبض علي أبطال الفيلم الثلاثة.
تقديم جيد لتصاعد أزمة التباين بين رؤية النخبة والمواطن العادي للسلطة، وهي الأزمة التي يقوم الفيلم بتفكيكها بقدر هائل من السذاجة والسطحية. فالسائق موقن بأن المخرج سيستطيع الخروج من قسم الشرطة بمجرد اتصاله بأحد معارفه النافذين، بينما سيبقي هو بمفرده في مواجهة الدولة، بينما المخرج ممثل النخبة، يحاول التمسك بمبادئه التي يؤمن بها، ويدافع عن السائق المواطن العادي.
يفتقر المونتاج في "ليل خارجي" إلي الإحساس بالمكان في الكثير من مشاهد الفيلم، فلا يؤسس بشكل بصري مناسب للتباين الواضح بين عوالم الشخصيات (المعادي، الحدائق، البساتين)، ناهينا عن الأخطاء الكارثية في بعض المشاهد والتي لم يعد من الصعب علي المشاهد العادي التقاطها. في أحد مشاهد الفصل الأول نري مساعد الفنان أحمد مجدي يقوم بإزالة بدلة سوبر مان، في أحد اللقطات يقوم بخلع أحد أكتاف البدلة ووضعه في الدولاب، وفي اللقطة التالية نري الكتف نفسه مكانه، ثم يقوم المساعد بخلعه مرة أخري ووضعه في المكان ذاته. أخطاء كهذه لا تحتاج إلي موارد إنتاجية عظيمة، تحتاج فقط إلي مونتير ماهر، ومخرج يقظ.
في حوارين متباينين أحدهما مع الضابط الصغير والآخر مع الضابط الكبير، تتجلي سردية الدولة الأبوية، وتنعكس رؤيتها للمواطن العادي. يرفض الضابط الصغير إطلاق سراح المخرج، بينما يوافق الضابط الكبير معبرا عن إدراكه العميق للفارق الجوهري بين المخرج، خريج الجامعة الأمريكية الذي يكفي أن ينهره ويحذره بنبرة أبوية، وبين المواطن العادي الذي سيعود إلي القسم غدا بمصيبة أخري، وإن لم يعد هو فسيعود ابنه. علي مدي الفيلم يغيب المخرج في نوبات موازية للأحداث يتخيل فيها شكل فيلمه، وينتصر في خياله علي معوقات صنعه. هذا المخرج لم يكن سوي أحمد عبد الله نفسه، الذي يحاول التعبير عن معاناة صناعة السينما في سياق المشهد الحالي، لكنه يختار أن يتجاهل المعوقات الحقيقية، ويرضخ إلي قوانين الصناعة ودوائرها، ويتبني سردية الدولة، ويصنع فيلما تجاريا بامتياز لكنه يغلفه بلفافة براقة من الاستقلالية الزائفة.
وقف صناع فيلم "ليل خارجي" يجرون الحوارات الصحافية علي السجادة الحمراء قبيل العرض الرسمي الأول لفيلمهم بمهرجان القاهرة السينمائي الدولي. وأمام إحدي اللافتات الدعائية لرعاة المهرجان، وقف المخرج أحمد عبدالله يجيب علي الاسئلة الموجهه اليه.
• ما الصعوبات التي واجهتك في تصوير وإخراج الفيلم؟
- يقول أحمد عبد الله تم إنتاجه بالجهود الذاتية عن طريق تجميع المساهمات من الأشخاص الذين شاركوا فيه حتي يظهر للنور، هذا العمل لم يُنتج تحت مظلة شركة إنتاج كبيرة، لكن تم إنتاجه من خلال شركة "حصالة"، وهي شركة صغيرة، ولكن لها باع في أفلام وثائقية.
يصنف أحمد عبد الله كأحد صناع السينما المستقلة، ذلك المصطلح شديد الالتباس، والذي يتم تعريفه في صيغة مبسطة بأنه كل عمل سينمائي تم إنتاجه بمنأي عن دوائر الصناعة التقليدية السائدة، سواء علي مستوي الإنتاج والموارد، أو علي مستوي الموضوع، إذ ترتبط الأفلام المستقلة بشكل من أشكال التمرد علي القوالب التقليدية، والأفكار السائدة.
• هل حقا ينتمي فيلم "ليل خارجي" إلي السينما المستقلة؟
- تم إنتاج الفيلم بالجهود الذاتية، وإن أغفل في حواره أن الفيلم قد تلقي دعما من مهرجان دبي السينمائي لمرحلة ما بعد الإنتاج، ولكن مع الوضع في الاعتبار أن فيلم "ليل خارجي" يتطلب ميزانية متواضعة أو متوسطة علي أقصي تقدير.
• ما مدي ارتباط الموارد الإنتاجية بجودة المنتج الفني؟
- لنأخذ عنصر التمثيل مثالًا. يتطلب عنصر التمثيل شقين مهمين، أولهما اختيار الممثلين، وثانيهما هو توجيههم. بالطبع ترتبط الموارد الإنتاجية بالقدرة علي استقطاب المواهب الحقيقية والنجوم الكبار، غير أننا لن نعدم الأمثلة التي اعتمد فيها المخرجون علي ممثلين غير محترفين وخرج أداؤهم في شكله النهائي علي درجة مقبولة من الجودة الفنية.
في "ليل خارجي" صاحب التوفيق أحمد عبد الله في تسكين بعض الأدوار، وتخلي عنه في غيرها، فأبطال العمل الرئيسيون هم كريم قاسم الذي يمتلك موهبة متواضعة وإن كان في أفضل أحواله هنا، ومني هلا التي سبق أن قدمت أدوارا جيدة لكن جاء أداؤها باهتا في أغلب مشاهد الفيلم، أما المفاجأة الحقيقية فتمثلت في شريف دسوقي الذي كان حضوره وتأثيره واضحاً علي الجمهور بمجرد ظهوره علي الشاشة.
• هل هناك أي رابط بين ضعف الموارد، وبين الاختيار السيئ والتوجيه الضعيف للممثلين؟
- بالقطع لا.
قال بطل الفيلم الممثل كريم قاسم إنه جسد شخصية "مو" المخرج الشاب خريج الجامعة الأمريكية والذي تمر عليه ضمن أحداث الفيلم ليلة غريبة حيث يذهب في رحلة مع شخصيتين من عالمين مختلفين ولكل منهما خلفيّة مختلفة وهو نظرته للحياة مختلفة أيضا وعندما يقضون هذه الليلة مع بعضهم ينظرون لأنفسهم بشكل مختلف ويرون القاهرة بشكل مختلف علي حدّ تعبيره.
أما الممثلة دنيا ماهر التي قدمت دور دينا صديقة "مو" بطل الفيلم وهي جزء من عالمه الذي يخرج منه في ليلة قضاها مع الشخصيتين الثانيتين، فأكدت أن الفيلم جزء من المشهد المستقل الذي يتطور في مصر، مشيرة إلي أن هناك مشهد أفلام مستقلة للشباب الذين يحاولون تقديم السينما كما يريدونها بغض النظر عن مقاييس الإنتاج في السوق مؤكدة أن المخرج أحمد عبد الله جزء من هذه التجربة منذ البداية، فالمشروع قائم علي فكرة أنه يريد أن يتحرر من قيود السوق ويحاول تقديم السرد الخاص به كما يري ولا يتقيّد بالتفاصيل التي يفرضها السوق حسب قولها.
وبالنسبة للممثلة مني هلا بطلة الفيلم، فقد اعتبرت أن دورها في الفيلم كتب بذكاء شديد وهو أكثر ما شدها لتجسيده، موضحة أن الشخصية تتعرض لكم كبير من القهر والعنف و"الذكوريّة" التي تمارس عليها في المجتمع لكن في نفس الوقت لا تفقد الجانب الإنساني فيها.
وبطولة كل من كريم قاسم ومني هلا وشريف قاسم ومشاركة متميزة لعدد كبير من النجوم من ضيوف الشرف هم بترتيب ظهورهم بالعمل علي قاسم وأحمد مجدي وبسمة وأحمد مالك وعمرو عابد. ومن تأليف شريف الألفي وإخراج أحمد عبد الله السيد.