فنون

«كسارة البندق».. حلم ليلة عيد الميلاد


1/1/2019 11:11:08 AM

يعد بيوتر إيليتش تشايكوفسكي واحداً من أهم المؤلفين الروس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. إذ جمع في أعماله لحنية هائلة مليئة بالحزن الشديد والفرح النبيل، مثل فعله مع (كسارة البندق)، ذلك من دون المساس بقوة وجزالة الكتابة الموسيقية. ففي سيمفونياته الست تظهر الحرفية الأوركسترالية الكبيرة في هذا الباليه الذي تحتفل به دار الأوبرا المصرية باعياد الميلاد.

يمثل باليه »كسارة البندق»‬ أحد أكثر الأعمال الموسيقية الكلاسيكية ارتباطاً بأجواء الشتاء واحتفالات الميلاد والعام الجديد، حيث يشمل ويصلح لجمهور عرض من الكبار والصغار، ذاك لما تحققه أحداث العمل البراقة والخيالية ورقصاتها شديدة التنوع، من متعة بصرية وسمعية، من خلال ألحان بيوتر أليتش تشايكوفسكي، المتدفقة والآسرة، التي تنفذ إلي الوجدان بغنائيتها الشفافة الحساسة.
حكاية الباليه (كسارة البندق)، مأخوذة عن قصة للكاتب الألماني أرنست هوفمان (1776-1822) بعنوان »‬كسارة البندق وملك الفئران». وأعدها للباليه الروائي الفرنسي ألكسندر دوما الابن (1824-1895). كما صمم الرقصات: ليف إيفانوف، متبعا الخطة التي وضعها الراقص الشهير ماريوس بتيبا، الذي منعه المرض الشديد من إتمام العمل، يبدأ تشايكوفسكي الباليه، المقسم إلي فصلين، بافتتاحية موسيقية صغيرة جميلة تتميز بألحان مرهفة، خفيفة وبراقة، ذلك تمهيداً لأجواء الاحتفال بعيد الميلاد الذي يقام في منزل والد الطفلة »‬كلارا»، بطلة العرض، حيث يعرض صديق العائلة »‬دور سلماير» ألعاباً سحرية تجذب انتباه الجميع، ويقدم لكلارا دمية جندي علي شكل كسارة البندق. لكن فرانز، أخاها، يشعر بالغيرة ويحاول أخذ الدمية منها بقوة فتنكسر، ثم يبادر »‬دور سلماير» إلي إصلاح كسارة البندق ويعيدها إلي كلارا مرة أخري.
في نهاية الحفلة يذهب الجميع للنوم. وتتوجه كلارا لتلقي نظرة علي دميتها الجديدة فتشعر فجأة بأن الحجرة وكل ما تحويه، ازدادت طولا، وفي المشهد الذي تراه يتضاعف حجم شجرة عيد الميلاد.. وتكبر، أيضاً، الهدايا الموضوعة أمام الشجرة وتدب الحياة في كل الألعاب. تلتفت كلارا برعب لتري وراءها جيشا من الفئران يهاجمها. فتدور معركة كبيرة بين الدمي، بقيادة كسارة البندق، وبين جيش الفئران بقيادة ملك الفئران، وتنتهي بانتصار الدمي.
رحلة الأحلام
يهدي (الجندي) هذا الانتصار إلي كلارا. وفجأة تتحول الحجرة إلي غابة جليدية ساحرة، وسرعان ما تتحول دمية كسارة البندق إلي أمير وسيم يحمل كلارا، التي تحولت بدورها إلي فتاة جميلة في »‬رحلة الأحلام» فيرقصان بسعادة مع الجميع. ويواصلان رحلتهما حتي يصلا إلي مملكة الحلوي.. أحداث الفصل الثاني في العمل، تبدأ بوصول كلارا والأمير إلي مملكة الحلوي في زورق صغير، حيث تستقبل حورية »‬الملبس» وكلارا وكسارة البندق، ويقيمون حفلا تكريميا تعرض فيه سلسلة من الرقصات النوعية المتميزة، حيث تري كلارا جميع أنواع الحلوي والتي يعبر عنها تشايكوفسكي بذكاء من خلال رقصات شهيرة جداً، وبينما نجد الأمير وكلارا في قمة سعادتهما، يدق جرس الساعة فيختفي الأمير، وتستيقظ كلارا من نومها وتكتشف أن كل هذه اللحظات الساحرة التي عاشتها، لم تكن إلا حلماً جميلاً.
أجواء خرافية
بدأ تشايكوفسكي كتابة هذا الباليه عام 1891. وكان حرصه علي نجاح العمل شديداً. فلم يعرضه إلا بعد الانتهاء منه بعدة شهور، ذاك في أوائل عام 1892.
إذ قدم كموسيقي أوركسترالية تعزف في حفل، من دون الرقص. وكان الحفل ناجحا جدا، مما أعطي تشايكوفسكي الثقة لعرضه كباليه في نهاية العام نفسه، ولكنه لاقي نجاحا ضعيفا، لأن الموضوع كان غريبا علي الجمهور والألوان الأوركسترالية غير اعتيادية، أما الراقصون فوجدوا في إيقاعاتها المعقدة صعوبة تمنعهم من الرقص علي وقع ألحانها.
موسيقي تشايكوفسكي في هذا الباليه رائعة بكل المعايير. فهي عمل ضخم أوركستراليا، استعمل فيه أوركسترا ضخمة ففيه تؤدي آلات الأوركسترا جميعاً، في توزيع رائع تظهر فيه مهارة وعبقرية المؤلف الفذة في التلوين الأوركسترالي، حتي أنه استخدم آلة جديدة تشبه البيانو اسمها (الشيلستا)، اخترعت في باريس عام 1886، صوتها سماوي كريستالي رقيق.
وهو مزيج بين صوت البيانو وآلة الجلوكنشبيل.. استخدمها تشايكوفسكي في رقصة تظهر خصوصية الآلة للمرة الأولي في هذا العمل، بعد أن طلب من صديق له في باريس أن يرسلها إليه. وفي هذا العمل نسمع ألحانا غنائية معبرة تنفذ إلي وجدان الجماهير في سهولة ويسر. نسمع تنوعا موسيقيا كبيرا. فتشايكوفسكي ينقلنا عبر جو القصة الخرافي بشكل أنيق مدروس.
نظم تشايكوفسكي باليه (كسارة البندق) في ثمانية أجزاء، كون منها متتالية موسيقية تعزف كثيرا في الحفلات الموسيقية وتلقي استحسانا ونجاحا عند الجمهور، لجمالها وقوتها الأوركسترالية. ويتكون (كسارة البندق) من افتتاحية موسيقية للجزء الأول اسمها: الافتتاحية الصغيرة . وتبدأ بها المتتالية لتعطي أجواء عيد الميلاد.
وتعزفها مجموعة الكمانات والفلوت. ثم نسمع الجزء الثاني. ومن بعده يبدأ المارش الذي يعزفه الترومبيت والهورن والكلارنيت، فيعطي جواً من الفرح. ثم يعقبه لحن آخر فيعاد اللحن الأول ليختم الجزء الأول من المتتالية. وفي الجزء الثاني نسمع رقصة (فتافيت السكر)، وهي الحركة الثالثة. وفيها أدخل تشايكوفسكي آله (الشلستا) ليعطي لونا من الألحان، يوافق جو القصص الخرافية الأسطورية.
وتمثل الحركة الرابعة الرقصة الروسية (تريباك)، إذ يعزفها جميع آلات الأوركسترا لتكون رقصة رشيقة صداحة. وأما الحركة الخامسة، وتسمي بالرقصة العربية (قهوة)، فيعزف التشيللو أو الفيولا، إيقاعاً مستمراً يمثل الآلات الإيقاعية الشرقية، وعلي هذه الخلفية نسمع تآلفات من الكلارينيت والهورن، يتبعها اللحن الأساسي تعزفه الكمانات، ثم نسمع صيحة من (الأبوا) تستمر طويلاً وكأنها تصاحب أغنية شرقية.. وتنحدر الموسيقي تدريجيا حتي تختفي تماما. وبالنسبة للحركة السادسة فهي الرقصة الصينية (شاي)، فيستعمل تشايكوفسكي في عزف لحنها الأساسي، خليطا من آلات النفخ الخشبية، مثل: الفلوت والباصون.
باليه كسارة البندق ارتبط بأعياد الميلاد والعام الجديد بسبب أجواءه الساحرة وأحداثه الشيقة إلي جانب تصوير قدرة الحب علي تحويل مصائر الأشخاص والتأثير علي مجري الأحداث في الحياة بشكل عام.