فنون

احتضار المدن.. واستعادة الذاكرة في الفيلم الوثائقي

في مهرجان الأفلام الوثائقية الدولي الـ10 خريبكة


نعمة الله حسين
1/8/2019 10:33:15 AM

المدن كالبشر.. لكل مدينة شخصيتها وحياتها الخاصة.. التي تسحرك فتقع أسيرا لها أو تجعلك تنفر منها وتبعد عنها.
وفي المدن حياة وموت وما بينهما أمراض.. وكثيرة جدا أمراض المدن التي تثير الشفقة خاصة المستعصية ولا حلول  لها..ولهذا كان احتضار المدن من أقسي الأشياء الموجعة ـ فموت مدينة يعني موت ملايين وآلاف من البشر معها.
ولعل آخر المدن التي تحتضر هي مدينة »كافوتين»‬ بالسنغال.. هذه المدينة التي تشتهر كميناء لصيد الأسماك التي  تكفي احتياجات القارة الأفريقية السوداء ويعمل بها آلاف مؤلفة من البشر من أنحاء  أفريقيا.. »‬مالي»، »‬كينيا»، »‬موريتانيا» ودول أخري من قلب أفريقيا..
هذه المدينة التي تطل عليالمحيط الأطسي والتي أشرنا إلي أن سواحلها هي من أفضل مناطق الصيد ومصدر ومورد للأسماك في أفريقيا.. باتت مهددة بالانقراض وآلاف من الأفارقة الذين يعملون في مجال الصيد بالزوارق البدائية التي يحملها بعد ذلك »‬الحمالون» للشاطئ حيث يتم فرز الأسماك.. ثم إحراقها لتصبح مدخنة وتباع في أفريقيا ما يقرب من ثلاثمائة ألف أفريقي من رجال ونساء وأطفال يعملون في ظروف شديدة القسوة مابين الصيد وحرقه وتجميع الأخشاب من الغابات القريبة.. كل هذه الكتلة البشرية التي تجني بالكاد لقمة عيشها نظير مايستطيع أن يبقيها علي قيد الحياة مهددة.. وذلك بعد أن تقدمت الصين والسنغال بطلب إنشاء مصنع لصيد الأسماك وتحويلها إلي »‬بودرة» ومعني ذلك أنه سيكون لها مراكب الصيد الخاصة بها وسيحرم الأفارقة من المصدر الوحيد لهم من الأسماك التي تصل إليهم وسيتم تشريد هذه الآلاف ولن تجد قوت يومها.
•  •  •
هذه المدينة التي تحتضر ويصرخ سكانها وجيرانها من الدول المجاورة للعالم أن يتدخل حتي لا يحرموا من رزقهم الآتي من البحر.. وأن تبتعد التكنولوجيا عنهم وعن لقمة عيشهم.. تمت صياغته في فيلم غاية الروعة والهدف في  الفيلم الوثائقي  السنغالي »‬سمك ذهب وسمك أفريقي» للمخرجين »‬توماس جراند».. و»موسي ديوب» وهو من إنتاج هذا العام وتبلغ مدة عرضه 52 دقيقة..مع موسيقي »‬لمايكل ويدوف».. نجح خلالها المخرجان في تقديم صورة واقعية لهذه المدينة الواقعة في  إقليم »‬كازامنس» والحياة تدب فيها.. وفي محاولة مستميتة للحفاظ علي لقمة عيشهم..
وقد نجح المخرجان في تقديم صورة حية لهذا الميناء الذي كان يعج بالناس والحياة.. ليصبح بعد ذلك مدينة ميتة لا أثر للبشر فيها يبدو عليها بؤس العناء.. فليس بالضرورة أن كل ماهو صناعي  قادر علي أن يبعث الحياة بل أحيانا يقضي عليها خاصة عندما يغض النظر عن الثروة البشرية.. ولقد منحت لجنة التحكيم في مهرجان خريبكة الجائزة الكبري لهذا الفيلم بالإجماع
•  •  •
.. في الدورة العاشرة لمهرجان الأفلام الوثائقية بخريبكة في المغرب والتي  عرض في إطار مسابقته الرسمية أحد عشر فيلما رأست لجنة التحكيم نعمة الله حسين وعضوية كل من الدكتور بشير خليفي من الجزائر وهو باحث وناقد شارك في العديد من المؤتمرات والمهرجانات والمنتديات الثقافية والفنية خاصة أنه يحمل  دكتوراه في الفلسفة ومن المغرب الدكتور »‬حسن حبيب» الحاصل علي الدكتوراه في العلوم اللغوية في جامعة السوربون وهو أيضا شارك في العديد من المهرجانات السينمائية كما كتب العديد من الأفلام الوثائقية والمخرج والناقد  الفلسطيني فايق جرادة.
•  •  •
والحقيقة أن الأفلام الفائزة استحقت عن جدارة هذا الفوز لتميزها الشديد عن باقي الأفلام وعلي غير العادة في تجاربي في لجان تحكيم سابقة سواء كرئيسة أو عضو.. لم يكن هناك أي خلاف في وجهات النظر فقد فرضت علينا هذه الأفلام نفسها بجودتها الفنية وموضوعاتها الإنسانية.
وقد منحت لجنة التحكيم جائزتها الخاصة مناصفة بين فيلمين مغربيين هما »‬أصداء الصحراء» للمخرج »‬رشيد قاسمي».. وفيلم »‬المليودي الصغير» قصة سباق »‬للمخرجة ليلي الأمين الدمناتي» وهذا الفيلم يوثق سباق الدراجات الشهير الذي  كان يقام في المغرب في الخمسينيات وكان يضم مغاربة وأسبانا وجاليات أجنبية كثيرة ورغم الظروف الاستعمارية القاسية في ذلك الوقت إلا أن العديد من الأجانب مازالوا يعتبرون المغرب بلدهم وإن كانوا رحلوا عنه.. وكانت هناك صداقة وطيدة تجمع بين  المتسابقين وأشهرهم ميلودي المغربي الصغير  ضئيل الحجم والذي كان نجم هذا السباق وفاز به .. هذا السباق كان رمزا أيضا للتسامح بين الديانات المختلفة والجنسيات المختلفة فقد كان الحب والصداقة هو ماجمع بين هؤلاء المتسابقين وقد أرادت المخرجة ليلي أن تقدم صورة لماضي بلدها الحبيب من خلال صورة لوالدها هذا البطل الذي شرف المغرب.. كما نجحت المخرجة في تجميع  مادة أرشيفية لمدة خمس سنوات عانت فيها الكثير من تواجد المواد الأرشيفية.. كما نجحت في دعوة أصدقاء والدها من المتسابقين للحضور للمغرب.. فكان لقاء جميلا.. كل منهم يشعر بالحنين للمغرب البلد الذي أمضي فيه طفولته وشبابه..
إن ميلودي الصغير والذي تبلغ مدته 75 دقيقة ليس تكريما من ابنة لأبيها بل تكريم لبلدها وإحياء لرياضة كان يمارسها الجميع  بحب شديد..  التواصل  مع الجذور يصبح هدفا للوقوف علي أرض صلبة من أجل مستقبل أفضل.
•  •  •
أما الفيلم الثاني الذي اقتسم بجدارة جائزة لجنة التحكيم الخاصة مع فيلم »‬ميلودي» »‬أصداء الصحراء» والذي تبلغ مدة عرضه 96 دقيقة.. فقد نجح مخرجه من خلال صورة صادقة في تتبع رحلة المغني الشهير المجري ذي الأصول المغربية »‬سعيد تشيتي» والذي يلقي نجاحا باهرا في أن يسافر إلي مدينة كلميم حيث ولد برفقة اثنين من أصدقائه أعضاء الفرقة الموسيقية وذلك للبحث عن جذور الموسيقي في هذه المناطق لتتلاقي الثقافتان مما يعطي مزيجا جديدا للموسيقي الحسانية في هذه المناطق  مع الموسيقي المجرية.. الفيلم شديد الإمتاع وكانت رحلة البحث عن النغمات والكلمات أكثر من رائعة.. جعلتنا نستمتع بالصوت والصورة للطرب الأصيل ونتجول في الصحراء لكي نعيش هذه الأجواء الجميلة.. وكأننا في رحلة عبر الزمن.. علي أنغام عصرية تمس الوجدان وتبعث فينا الأمل والبهجة..
أما جائزة أحسن إخراج فقد ذهبت للفيلم الهندي »‬راجي راي» للمخرجة »‬رافاني راي» وتبلغ مدته 54 دقيقة.. وفيه تقدم »‬رافاني» بورتريها عن والدها المصور الشهير »‬راجي راي» والحقيقة كما تقول إنها كانت تنوي التقاط  صور لوالدها، حتي سافرت معه إلي كشمير حيث الكثير من الاضطراب السياسي والعنف الشديد.. والجدير بالذكر أن »‬راجي» أصدر مايقرب من خمسين كتابا.. بالإضافة لمجموعته القوية من الصور لما حدث  في الكثير من أنحاء العالم.. كما قام بتصوير العديد من كبار الشخصيات وعلاقته بهم.. وكيف أنه قام بتعليمها الكثير من فنون التصوير.. حيث أصبحت هي أيضا شديدة البراعة..
وهذا الفيلم هو ترجمة صادقة لعلاقة أب بابنته ومدي الحب الذي يربط بينهما وعمق العلاقة بينهما.. حيث يصبح الأب القدوة والمثل الأعلي والمعلم الحقيقي في الحياة.