فنون

خواطر سينمائية.. من واقع السينما التسجيلية


نعمة الله حسين
1/29/2019 12:39:25 PM

أن تطوف  العالم وأنت جالس علي مقعد أمام شاشة بيضاء سحرية تتابع وتتعرف علي عادات وتقاليد وثقافات شعوب مختلفة.. وتتعايش وتقترب من تجارب حياتية كل واحدة في حد ذاتها درس في الحياة ومواجهة لواقع تفاصيله اليومية ـ معايشة تختلف من شخص لآخر وقد لا تتطابق علي الإطلاق فهذا شيء ممتع للغاية..
موسيقي التراث بين صرخة الألم وندا الأمل
الشيخة فاطنة من أشهر شيخات المغرب في الغنا الشعبي
وإذا كانت السينما عموما تحملنا علي أجنحة الخيال وتطير بنا مابين الحاضر والمستقبل والماضي.. تؤثر فينا وتجعلنا نتأثر بأداء الممثلين وإتقانهم لأدوارهم وحبكة المخرج الفنية التي  تمتعنا وتجعلك أسير العمل الذي  تشاهده وتتوحد فيه.
ولقد أسعدني الحظ أن أسرق من الزمن بضعة أيام قضيتها في مهرجان خريبكة بالمغرب للأفلام الوثائقية.. والحقيقة أن الفيلم التسجيلي توجد به متعة شديدة خاصة عندما  يتحدث عن الأفلام العرقية.. ومازلت أذكر إنه منذ سنوات كنت حريصة علي متابعة مهرجان أفلام سينما الحقيقة في مركز ثقافة »جورج بومبيدو»‬ في باريس وفي هذا المهرجان لم تكن هناك أي محظورات أو »‬تابوهات» يمنع الحديث عنها.. خاصة ماعرض فيه من أفلام عن مرض »‬الأيدز» وكان في بدايته.. فكان الناس يخافون من المرض.. حتي وصل الأمر إلي أنه عند وفاتهم كانوا يخشون الاقتراب منهم ودفنهم.. كما خصصت لهم محرقة خاصة لمن يوصي بحرق جثمانه.. ومن الأشياء المؤثرة جدا عن تجربة ذاتية لاعترافات مخرجة استيقظت يوما لتجد أمها تسألها من  »‬أنت» وذلك بعد ما أصيبت بالألزهايمر .. تجارب عديدة واقعية رصدتها السينما التسجيلية والوثائقية تعد وتعتبر أرشيفا حيا لتاريخ بلاد وحكايات بشر.
•  •  •
لعل أكثر ما يؤثر في النفس أن الفيلم الوثائقي في كثير من الأحيان يدفعك إلي الحنين.. سواء لمدينة أو نوعية حياة.. هذا »‬الحنين» هو ما أثاره فيلم يحمل نفس الاسم للمخرج المغربي »‬عبدالواحد تمود» ومدة عرضه (١٧ دقيقة) هذه الدقائق القليلة أثارت شجنا كبيرا لدي الجماهير لأنه باختصار عن مدينتهم التي تحتوي أكبر مناجم فوسفات في العالم.. وكيف كانت هذه المدينة فيما مضي.. وذلك من خلال  مجموعة من العجائز يحاورهم المخرج عن شكل المدينة التي تعايش فيها »‬مسلمون ويهود ومسيحيون» وكيف كانت تضم مسجدين.. وكنيستين فقط.. لتتسع وتزيد المساجد والكنائس.. ورغم ذلك وعلي  كون إنها في الأصل مدينة »‬عمالية» إلا أن الاهتمام بالأنشطة الثقافية والفنية والرياضية كان علي رأس الأولويات في هذه المدينة التي تضم اليوم عددا كبيرا من المثقفين.
•  •  •
وهذا الحنين والشجن استطاعت المخرجة والمنتجة المغربية الأصل »‬إيزا جنيني» التي كرمها المهرجان.. وعرض لها خمسة أفلام كلها عن الموسيقي  القديمة والعادات والتقاليد في الموالد والأفراح.
هذه الموسيقي التراثية كانت جرسا يدق في  العقول والقلوب لإيقاظ كل الحواس بهذا الطرب القديم والحث والعمل علي استمراره والحفاظ علي ذاكرة التاريخ التي هي ذاكرة الشعوب.
•  •  •
فيلم »‬العيطة» وهي صرخة معاناة ونداء للذاكرة والتعبير عن الألم.. وهي أيضا نداء للحب والأمل.. هذه الموسيقي والأغاني التي كانوا يستمعون لها في موسم »‬مولاي عبدالله أمغار» من »‬فاطنة بنت الحسين» وهي واحدة من »‬الشيخات» المشهورات علي الصعيد  الوطني .. ومن خلال  فرقتها التي حافظت علي هذا التراث الفريد.
خمسة أفلام تتحدث كلها عن مختلف أنواع الموسيقي  في أنحاء المغرب  لكل منها خصوصياتها ونجومها تحمل حنينا.. وتعتبر حلقة وصل مابين الماضي الثري بتراثه والحاضر المستمع له والمستقبل الذي لابد أن يحافظ عليه..
إن هؤلاء المطربين والمطربات بملابسهم المزركشة المميزة هم ذاكرة بلادهم..
•  •  •
وفي تجربة ثرية من الناحية الإنسانية.. ومن خلال رحلة في أعماق أفريقيا والغوص في البدائية قدم المخرج الشاب المغربي الأصل المقيم في تولوز بفرنسا زهير فرتاحي فيلما عن قرية بدائية بسيطة في »‬توجو» بأفريقيا وهي قرية »‬بينشابي» أو قرية »‬الحدادين» وهي قرية صغيرة في شمال »‬توجو» لا يوجد بها »‬كهرباء» أو »‬ماء» ومازالت تعيش علي التقنية القديمة في »‬تشكيل» »‬الحديد» بآلاتهم البدائية القديمة.. وكيف يحاول أهل القرية القدامي أن يعلموا أبناءهم العادات القديمة.. وهذه التجربة الفريدة في تشكيل الحديد تعكس أسلوب وحياة سكان هذه البلدة القديمة التي تنعدم فيها كل وسائل المدنية والاتصال ، تعيش بفطرتها.
والحقيقة أن هذا الفيلم تم عرضه الأول لسكان القرية التي كانت هي المرة الأولي التي يشاهدون فيها فيلما سينمائيا.
فكرة الفيلم جاءت »‬لزهير» بعدما التقي مع اثنتين من الباحثات في الأجناس العرقية وهما »‬كارولين روبين».. و»‬ماري بيير كوستير» ليتفق معهما علي عمل فيلم تسجيلي عن هذه القرية الساكنة في قلب التاريخ.. ولم تعرف رغم الزمن الذي تعيش فيه أي شيء عن ماذا يعني تليفون أو تليفزيون أو لمبة إضاءة.. إنها رحلة مثيرة للماضي من خلال حاضر تعيشه قرية منسية من الزمن مازال سكانها »‬محلك سر» من التكنولوجيا الحديثة.